إثيوبيا والبحر الأحمر: الجغرافيا والتاريخ والتحولات الجيوسياسية
تشهد منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر واحدة من أكثر مراحلها حساسية واضطرابًا، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وتنامي التجاذبات بين القوى الدولية والإقليمية الساعية إلى توسيع نفوذها في هذه المنطقة الحيوية.
وفي قلب هذه التحولات، تبرز إثيوبيا كدولة محورية لا يمكن فصلها عن مجريات الأحداث، سواء بحكم موقعها الجغرافي، أو ثقلها السكاني والاقتصادي، أو تاريخها السياسي العريق.
إثيوبيا دولة محورية في إقليم ملتهب
يرى الكاتب والمحلل السياسي الأستاذ موسى شيخو -في مقابلة مع بودكاست فانا عربي- أن منطقة القرن الأفريقي لم تكن يومًا هادئة، لكنها ظلت لسنوات طويلة «ملتهبة في الخفاء»، قبل أن تنتقل إلى العلن في المرحلة الراهنة. ويؤكد أن إثيوبيا، بحكم كونها الدولة المركزية في الإقليم، لا يمكن أن تكون بمنأى عن هذه التوترات، بل تشكّل أحد مفاتيح الاستقرار أو عدمه في المنطقة.
ومنذ نحو ثماني سنوات، انتهجت إثيوبيا دبلوماسية نشطة ومكثفة، شملت دول الجوار، والشركاء الإقليميين والدوليين، لا سيما في جنوب شرق آسيا، والدول الصاعدة، إضافة إلى القوى الغربية والولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط. وقد منح هذا النهج زخماً قوياً للحضور الإثيوبي في الملفات الإقليمية، وعلى رأسها ملف الوصول إلى منفذ بحري.
سد النهضة والمنفذ البحري: تلازم استراتيجي
يؤكد شيخو أن تزامن اكتمال مشروع سد النهضة – بوصفه أكبر مشروع قومي في أفريقيا – مع تصاعد الخطاب الإثيوبي بشأن المنفذ البحري، لم يكن مصادفة. فقد عزز السد مكانة إثيوبيا الاقتصادية والسياسية، وأعادها بقوة إلى دائرة اهتمام المؤسسات الدبلوماسية الدولية، وفتح المجال أمام طرح مطالب استراتيجية مؤجلة، في مقدمتها الوصول إلى البحر.
هل المنفذ البحري أجندة خارجية؟
يرفض الأستاذ موسى شيخو بشكل قاطع الاتهامات التي تُوجَّه إلى إثيوبيا بأنها تتحرك وفق أجندات خارجية أو تعمل كـ«دولة وظيفية» لصالح قوى أخرى.
ويعتبر أن هذه الاتهامات لا تخرج عن احتمالين: إما دعاية سياسية مغرضة، أو ترديد أعمى لروايات إعلامية، وعلى رأسها الإعلام المصري، الذي انتهج – بحسب قوله – سياسة تشويه ممنهجة لصورة إثيوبيا منذ أكثر من عقد، بدءًا من ملف سد النهضة.
ويؤكد أن إثيوبيا دولة ذات سيادة، تمتلك واحدة من أقدم التجارب الدبلوماسية في العالم، إذ تعود علاقاتها الدبلوماسية المنظمة إلى أكثر من 200 عام، ولم تخضع للاستعمار، وكانت ملهمة لحركات التحرر الأفريقي ومؤسسة للاتحاد الأفريقي.
الجذور التاريخية لحق إثيوبيا في البحر
يستند المطلب الإثيوبي للوصول إلى البحر، بحسب شيخو، إلى خلفيات تاريخية راسخة. فالذاكرة الإثيوبية مرتبطة بالبحر الأحمر ارتباطًا عضويًا، لدرجة أن البحر كان يُعرف تاريخيًا باسم «بحر الحبشة». كما أن إثيوبيا امتلكت قوة بحرية، وسفنًا، ونفوذًا امتد من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط.
ويصف انفصال إثيوبيا عن البحر الأحمر بأنه «خطأ استراتيجي» نتج عن مؤامرات إقليمية ودولية، ويشير تحديدًا إلى ميناء عصب، الذي كان بوابة إثيوبيا إلى العالم، قبل أن يتحول إلى مدينة مهجورة منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ميناء عصب: قيمة معطلة ومأساة إنسانية
يوضح شيخو أن ميناء عصب بلا إثيوبيا فقد قيمته الاقتصادية والاستراتيجية، وأصبح رمزًا للتهميش، بل ولمآسٍ إنسانية، مع محاولات تغيير ديموغرافي وإفراغ سكان عفر البحر الأحمر من مناطقهم. ويرى أن إعادة استخدام الميناء ستخدم الجميع: إثيوبيا، وإريتريا، وسكان المنطقة، وستسهم في تخفيف البطالة والهجرة غير الشرعية التي يعاني منها الشباب الإريتري.
البعد الأمني والدولي للمطلب الإثيوبي
لا يقتصر المطلب الإثيوبي، بحسب شيخو، على الجوانب الاقتصادية والتجارية، بل يمتد إلى أبعاد أمنية دولية. فالدولة التي لا تمتلك وصولًا آمنًا إلى البحر – كما يقول – «لا تملك أسرارها». ويشير إلى أن المجتمع الدولي، بما في ذلك دول كبرى كفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، بات يرى ضرورة اقتراب إثيوبيا من البحر، ليس فقط لدعم التنمية، بل للمساهمة في حفظ الأمن والاستقرار في منطقة تعاني هشاشة أمنية واضحة.
العلاقة مع جيبوتي ومحدودية الرهان المصري
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع جيبوتي، يؤكد شيخو أنها علاقة تكامل لا يمكن كسرها، بحكم الترابط الجغرافي والسكاني والاقتصادي. ويستبعد أن تنجح أي محاولات – بما فيها التحركات المصرية – في فصل جيبوتي عن إثيوبيا، معتبرًا أن هذه التحركات تكتيكية ومؤقتة، وتفتقر إلى رؤية استراتيجية.