Fana: At a Speed of Life!

سد النهضة والبحر الأحمر: قراءة في دوافع التصعيد المصري والموقف الإثيوبي

عاد ملف سد النهضة الإثيوبي إلى واجهة التوتر الإقليمي مجدداً، مع تصاعد الخطاب المصري تجاه أديس أبابا، بالتوازي مع جدل إقليمي متنامٍ حول مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.

ويطرح هذا التصعيد تساؤلات جوهرية حول أسبابه الحقيقية، وحدود مشروعيته القانونية، وانعكاساته على أمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل.

في هذا السياق، يقدم الخبير في الشؤون الأفريقية حاتم السنهوري -في مقابلة مع بودكاست فانا عربي- قراءة نقدية للتصعيد المصري، ويضعه في إطاره التاريخي والقانوني والسياسي.

سد النهضة… مشروع سيادي أم تهديد إقليمي؟

يرى السنهوري أن سد النهضة مشروع تنموي سيادي خالص، أُقيم داخل الحدود الإثيوبية ووفق دراسات فنية وهندسية بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، ونفذتها بيوت خبرة عالمية متخصصة في إنشاء السدود العملاقة. ويؤكد أن السد لا يمثل سابقة في التجربة الإثيوبية، إذ تمتلك البلاد عشرات السدود التي أُنشئت دون إثارة أزمات إقليمية مماثلة.

وبحسب السنهوري، فإن تصوير السد كتهديد وجودي يفتقر إلى أدلة علمية أو قانونية، خاصة أن المشروع يهدف بالأساس إلى توليد الطاقة الكهرومائية، وليس إلى حجز المياه أو تحويل مجراها.

 فوائد مثبتة لدول الجوار

يشدد السنهوري على أن السودان يُعد النموذج الأوضح للاستفادة المباشرة من سد النهضة، حيث أسهم السد في: تنظيم تدفق المياه وتقليل الفيضانات المفاجئة وخفض كميات الطمي والرواسب الواصلة إلى السدود السودانية وتقليل تكاليف الصيانة وتحسين كفاءة توليد الكهرباء وتحقيق استقرار في الإمداد الكهربائي خلال مواسم الخريف

ويؤكد أن هذه الوقائع الميدانية تناقض الخطاب الذي يروج لوجود أضرار جسيمة، معتبراً أن غياب أي تقارير فنية محايدة تثبت الضرر يضعف الموقف الرافض للسد.

جذور الخلاف… 

يربط السنهوري جوهر الأزمة بتمسك مصر باتفاقيات تاريخية، أبرزها اتفاقية 1959، التي وُقّعت في سياق استعماري ولم تشمل جميع دول حوض النيل. ويعتبر أن هذه الاتفاقيات كرّست توزيعاً غير عادل للمياه، خصوصاً بالنسبة للسودان وبقية دول المنبع.

في المقابل، يشير إلى أن اتفاقية عنتيبي الإطارية تمثل الإطار القانوني الأحدث، القائم على مبادئ: الاستخدام المنصف والمعقول وعدم التسبب في ضرر ذي شأن والاعتراف بحقوق جميع دول الحوض

ويرى أن رفض القاهرة لهذه الاتفاقية يعكس خشية من فقدان الامتيازات التاريخية أكثر من كونه دفاعاً عن حقوق قانونية ثابتة.

 لماذا تعثرت المفاوضات؟

بحسب السنهوري، فإن إثيوبيا دعت منذ عام 2011 مصر والسودان للمشاركة في مراحل التخطيط والتشغيل، إلا أن القاهرة رفضت السد «كفكرة» منذ بدايته، وليس فقط تفاصيله الفنية. ويؤكد أن التعنت المصري حال دون التوصل إلى تفاهمات، في حين أن الاعتراضات كانت ذات طابع سياسي لا فني.

ويضيف أن أي حديث عن «سوء نية إثيوبي» لم يُدعّم بوثائق رسمية أو مسارات قانونية، مثل اللجوء إلى محكمة العدل الدولية أو التحكيم الدولي، وهو ما يضعف صدقية الاتهامات.

البعد السياسي للتصعيد

يفسر السنهوري التصعيد المصري باعتباره محاولة لإعادة إنتاج مفهوم الهيمنة على نهر النيل، تحت غطاء «الأمن القومي»، معتبراً أن هذا المفهوم لم يعد مقبولاً في ظل وجود 11 دولة تشاطئ النهر، لكل منها حقوق سيادية ومصالح تنموية مشروعة.

ويرى أن الخطاب الإعلامي العالي النبرة يخدم الاستهلاك السياسي الداخلي أكثر من كونه أداة فعالة في إدارة نزاع إقليمي معقد.

إثيوبيا والبحر الأحمر… حق أم تهديد أمني؟

في ملف البحر الأحمر، يؤكد السنهوري أن مطالبة إثيوبيا بمنفذ بحري تستند إلى القانون الدولي الذي يكفل للدول الحبيسة حق الوصول إلى البحار، خاصة عندما تكون دولة مصدّرة ويبلغ عدد سكانها أكثر من 120 مليون نسمة.

ويشير إلى أن فقدان إثيوبيا لمنفذها البحري عقب انفصال إريتريا ألحق بها خسائر اقتصادية كبيرة، نتيجة الاعتماد على موانئ خارجية بتكاليف مرتفعة. كما يرى أن أي ترتيبات دبلوماسية تضمن منفذاً بحرياً لإثيوبيا قد تحقق مكاسب اقتصادية مشتركة، بدلاً من خلق توترات أمنية غير مبررة.

التحالفات الإقليمية… هل تعيق حقاً الطموح الإثيوبي؟

يعتبر السنهوري أن التحالفات التي تشكلت لإبعاد إثيوبيا عن البحر الأحمر لن تنجح في تعطيل «حق أصيل» تحميه القوانين الدولية، مؤكداً أن المجتمع الدولي لن يسمح بانفجار صراعات في ممر مائي تمر عبره نحو 40% من التجارة العالمية.

ويضيف أن وجود إثيوبيا في البحر الأحمر، يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار بدل تهديده.

نحو أي مسار؟

يخلص السنهوري إلى أن الحل يكمن في: العودة إلى الدبلوماسية متعددة الأطراف، الاعتراف بحقوق جميع دول الحوض دون استثناء، تبني اتفاقية عنتيبي كإطار عادل، تجاوز خطاب الهيمنة والاستعلاء التاريخي

ويؤكد أن التنمية المشتركة والتكامل الاقتصادي هما السبيل الوحيد لضمان استقرار طويل الأمد في حوض النيل والبحر الأحمر، بعيداً عن التصعيد الإعلامي والصراعات الصفرية.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.