Fana: At a Speed of Life!

قرار بالتحرر من التبعية الرقمية

في عالم اليوم، لم تعد الثروات التقليدية وحدها هي التي تُحدد قوة الدول ومكانتها، بل أصبحت المعلومات والبيانات هي المحرك الحقيقي للتقدم، وأداة التأثير في الاقتصاد والسياسة والتنمية.

وفي هذا العصر الرقمي المتسارع، بات امتلاك البيانات والسيطرة عليها جزءًا أساسيًا من مفهوم السيادة الوطنية.

لقد دفع الآباء والأمهات تضحيات كبيرة للحفاظ على استقلال إثيوبيا وسيادتها، واليوم، تواجه الأجيال الجديدة معركة مختلفة، معركة ترتبط بحماية الاستقلال الرقمي والتحرر من التبعية المعلوماتية التي ظلت لسنوات تؤثر على قدرة الدول في اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة.

وفي هذا الإطار، بدأت إثيوبيا مرحلة جديدة تقوم على توثيق أهدافها وإنجازاتها التنموية بالبيانات والأدلة الرقمية، في خطوة تهدف إلى إنهاء الاعتماد السابق على مصادر بيانات مجزأة ومدعومة من جهات خارجية، والانتقال نحو بناء سيادة وطنية على المعلومات والبيانات.

وخلال السنوات الأخيرة، حققت إثيوبيا تقدمًا ملحوظًا في مسار التحول الرقمي ضمن استراتيجية “إثيوبيا الرقمية”، التي أرست الأساس لبناء اقتصاد ومؤسسات أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا، فقد ارتفع عدد مستخدمي الهاتف المحمول إلى نحو 97 مليون مشترك، بينهم 57 مليون مستخدم للإنترنت، كما توسعت تغطية شبكة الجيل الرابع لتشمل أكثر من ألف مدينة وبلدة في البلاد.

كما أطلقت الحكومة نظام الهوية الرقمية الوطنية “فايدا”، الذي أصبح أحد الأعمدة الأساسية للبنية التحتية الرقمية في البلاد، مع تسجيل نحو 30 مليون مواطن في النظام حتى الآن، بهدف ربط المواطنين بالخدمات الحكومية وتعزيز الشمول الرقمي.

وفي إطار تحديث الخدمات العامة، شرعت إثيوبيا في رقمنة قطاعات حيوية، من بينها القطاع الصحي، حيث جرى ربط عشرات المستشفيات بمنصات رقمية مركزية لتحسين إدارة البيانات الصحية والخدمات الطبية.

كما توسعت البلاد في إنشاء منصات وطنية للبيانات المفتوحة والخدمات الرقمية، بما يسمح بتوفير قواعد بيانات ومؤشرات رسمية لدعم الابتكار وصنع القرار والتخطيط التنموي.

وامتدت جهود التحول الرقمي إلى تطوير أنظمة العناوين الرقمية والخدمات الذكية للمدن، في إطار خطط بناء اقتصاد رقمي متكامل وتعزيز كفاءة الخدمات الحكومية.

ويُنظر إلى هذا التحول باعتباره خطوة استراتيجية تنقل البلاد من حالة الاعتماد إلى الاكتفاء الذاتي، ليس فقط في مجال المعلومات، بل أيضًا في صياغة السياسات واتخاذ القرارات التنموية، كما يسهم في التخلص من الأساليب التقليدية اليدوية في جمع البيانات وإدارتها.

وانطلاقًا من إيمانها بأن السيادة لا تتحقق بالحدود والقدرات المادية وحدها، تعمل إثيوبيا على بناء منظومة وطنية متكاملة لجمع البيانات وتنظيمها وتحليلها، مستفيدة من مواردها البشرية وقدراتها التقنية المتنامية.

فامتلاك البيانات بات يُنظر إليه كعامل يرتبط مباشرة بالسيادة الاقتصادية والغذائية والسياسية.

كما تسعى البلاد إلى تعزيز حضورها في التقييمات والمؤشرات الدولية، وتقوية موقفها في المفاوضات الاقتصادية، وتحسين قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية والحصول على التمويل والقروض، من خلال الاعتماد على بيانات دقيقة وموثوقة نابعة من مؤسساتها الوطنية.

وقد أسهمت هذه المبادرة في تمكين إثيوبيا من اتخاذ قراراتها استنادًا إلى بياناتها الخاصة، ورسم مسارها التنموي وفق أولوياتها الوطنية، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على مصادر خارجية.

ويمثل هذا التوجه أيضًا حلًا عصريًا لضمان نقل البيانات وتخزينها وتحليلها بصورة آمنة تخدم المصلحة الوطنية، إلى جانب تطوير آليات استخدامها وصيانتها وإدارتها بكفاءة عالية.

ويُعد هذا المسار أحد أهم الخطوات نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي الرقمي، وتعزيز استقلال القرار الوطني في عصر أصبحت فيه البيانات من أهم أدوات النفوذ والقوة.

وخلال المؤتمر الوطني الذي انعقد تحت شعار “سيادة المعلومات من أجل حرية السياسات”، بحضور رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد، استعرضت إثيوبيا ما حققته من تقدم في هذا المجال، إلى جانب رؤيتها وتوجهاتها المستقبلية لتعزيز سيادتها الرقمية.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.