Fana: At a Speed of Life!

إثيوبيا والبحر الأحمر.. بين الحق التاريخي ومتطلبات التنمية

في خضم التحولات الجيوسياسية التي يشهدها القرن الأفريقي، أعادت المواقف الدبلوماسية الأخيرة في القاهرة، والتي سعت إلى تكريس مفهوم يقصر أمن البحر الأحمر على الدول الساحلية، الجدل حول مستقبل الترتيبات الإقليمية في المنطقة، ويُرى هذا الطرح أن مثل هذه المقاربة تستند إلى مفاهيم تعود إلى حقب سابقة، ولا تنسجم مع المتغيرات السياسية والاقتصادية التي يشهدها القرن الأفريقي.

ومن هذا المنظور، لا يُنظر إلى البحر الأحمر بالنسبة لإثيوبيا بوصفه فضاءً خارجيًا، بل باعتباره جزءًا من امتدادها التاريخي والجغرافي، وأن فقدان منفذها البحري جاء نتيجة تحولات سياسية شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية. ووفق هذه الرؤية، فإن السعي إلى الحصول على منفذ بحري مشروع لا يمثل طموحًا توسعيًا، بل يُعد ضرورة اقتصادية واستراتيجية تتعلق بمستقبل البلاد ودورها الإقليمي.

وترى هذه المقاربة أن تصوير اهتمام إثيوبيا بالبحر الأحمر باعتباره توجهًا جديدًا يتجاهل البعد التاريخي للدولة الإثيوبية، التي ارتبطت عبر مراحل مختلفة من تاريخها بالمجال البحري. ويُستشهد في هذا السياق بمملكة أكسوم، التي لعبت دورًا بارزًا في التجارة العابرة للقارات، حيث ربطت موانئها بين أفريقيا والشرق الأقصى والبحر الأبيض المتوسط.

كما يرى أصحاب هذا الطرح أن استبعاد دولة يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة من الترتيبات البحرية في المنطقة لا يتماشى مع حقائق الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد، خاصة أن إثيوبيا تمثل واحدة من أكبر الأسواق وأكثرها تأثيرًا في القرن الأفريقي.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى التحالفات الإقليمية التي تقوم على سياسات الاحتواء أو الإقصاء باعتبارها مقاربات قصيرة الأمد، في حين أن التحولات الاقتصادية التي تشهدها إثيوبيا تجعلها عنصرًا رئيسيًا في معادلات التنمية الإقليمية. ويُشار إلى أن الاقتصاد الإثيوبي يواصل تسجيل معدلات نمو مرتفعة، مدعومًا بقاعدة سكانية كبيرة وإصلاحات اقتصادية ومشروعات بنية تحتية واسعة النطاق.

ويؤكد هذا التوجه أن أي نظام إقليمي يسعى إلى تحقيق الازدهار في القرن الأفريقي لا يمكن أن يتجاهل الدور الاقتصادي لإثيوبيا، وأن التكامل الإقليمي يظل الخيار الأكثر قدرة على تحقيق المصالح المشتركة لجميع دول المنطقة.

وتستند هذه الرؤية أيضًا إلى مفهوم “المياهين”، الذي يربط بين مشروعات الطاقة والتنمية الاقتصادية ومتطلبات الأمن في البحر الأحمر، من خلال بناء علاقات اقتصادية متبادلة تحقق مكاسب مشتركة وتعزز الترابط الإقليمي.

ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الوصول البحري على أنه منفعة إقليمية تتجاوز كونه مصلحة وطنية ضيقة، إذ إن تعزيز الربط التجاري واللوجستي يمكن أن يسهم في دعم النمو الاقتصادي والاستقرار في المنطقة بأسرها.

كما تطرح هذه الرؤية مفهوم “السيادة الوظيفية”، الذي يقوم على إدارة المصالح الاقتصادية وسلاسل الإمداد عبر ترتيبات عملية تشمل استخدام الموانئ والخدمات اللوجستية والتعاون الجمركي، بعيدًا عن السجالات التقليدية المرتبطة بالسيادة الحدودية.

ويُعد هذا التوجه، وفق هذا الطرح، ضرورة اقتصادية في ظل اعتماد إثيوبيا بدرجة كبيرة على ممر تجاري واحد، وهو ما يفرض أعباء إضافية على حركة التجارة وسلاسل التوريد ويزيد من تكاليف النقل والخدمات اللوجستية.

ومن ثم، فإن تنويع الممرات التجارية يُنظر إليه باعتباره خيارًا استراتيجيًا يسهم في تعزيز الأمن الاقتصادي واستقرار الإمدادات، إلى جانب دعم التكامل الاقتصادي الإقليمي.

وعلى الصعيد الداخلي، تواصل إثيوبيا تنفيذ برامج إصلاح مؤسسي وتحول رقمي واسع النطاق، من خلال تطوير الخدمات الإلكترونية، وتوسيع البنية التحتية، وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة، بما يدعم قدرتها على تنفيذ مشروعاتها التنموية.

كما أن مكانة أديس أبابا بوصفها مقرًا للاتحاد الأفريقي واللجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة تعزز من دورها السياسي والدبلوماسي على مستوى القارة.

ويرى هذا التوجه أن سعي إثيوبيا إلى تعزيز وصولها إلى الممرات البحرية يرتبط أيضًا بأهداف التكامل الأفريقي، ولا سيما منطقة التجارة الحرة القارية وأجندة أفريقيا 2063، حيث إن تسهيل حركة التجارة للدول غير الساحلية يمثل أحد العوامل الداعمة للتنمية الاقتصادية في القارة.

وفي هذا الإطار، يزداد الاهتمام على المستوى الدولي بمناقشة حقوق الدول غير الساحلية في الوصول إلى البحار والممرات التجارية العالمية، استنادًا إلى المبادئ والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

كما تؤكد هذه الرؤية أن التماسك الاجتماعي الداخلي يشكل أحد أهم عناصر القوة في إثيوبيا، وأن تعزيز الوحدة الوطنية والحوار والتعاون يمثل الأساس لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

وفي المقابل، يُنظر إلى الدبلوماسية السلمية والتكامل الاقتصادي القائم على البنية التحتية باعتبارهما الخيار الأكثر فاعلية لتحقيق المصالح المشتركة، في مقابل سياسات الاستقطاب والإقصاء.

وفي المحصلة، ينطلق هذا التصور من أن مستقبل القرن الأفريقي يجب أن يقوم على التعاون والتنمية المشتركة، وأن تعزيز الترابط الاقتصادي وفتح آفاق جديدة للتكامل الإقليمي من شأنه أن يدعم السلام والازدهار، ويحقق مصالح شعوب المنطقة على المدى البعيد.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.