أمن المياه وأفق البحار.. معادلة التكامل المتكافئ بين مصر وإثيوبيا
48
تقف منطقة حوض النيل والقرن الإفريقي أمام مرحلة استراتيجية فارقة، تتطلب تجاوز قوالب التنافس التقليدية نحو صياغة مفهوم جديد للأمن الإقليمي المشترك، في هذه المعادلة، تبرز مصر وإثيوبيا كقطبين رئيسيين، يحمل كل منهما تطلعات واحتياجات حيوية لا تقل أهمية عن الأخرى؛ فبينما يمثل الأمن المائي ركيزة الاستقرار الأساسية لمصر، يمثل التطور الاقتصادي وتأمين منفذ بحري تجاري شريان الحياة للمستقبل الإثيوبي.
إثيوبيا وسد النهضة.. حوار عادل من أجل التنمية المشتركة تنطلق الرؤية الإثيوبية في إدارة مواردها المائية من حق سياسي وتنموي مشروع لانتشال ملايين المواطنين من الفقر وتوفير الطاقة النظيفة، ومن هذا المنطلق، تبدي أديس أبابا باستمرار انفتاحاً دبلوماسياً وسياسياً لإدارة هذا الملف عبر حوار عادل ومتوازن.
تؤكد إثيوبيا في مقاربتها على مبادئ القانون الدولي التي تدعو إلى “الاستخدام المنصف والمعقول” للموارد المائية، دون إلحاق ضرر ذي شأن بدول المصب. إن الهدف الإثيوبي ليس حجب المياه، بل توليد الطاقة التي يمكن أن تتحول إلى أداة للربط الكهربائي والتكامل الاقتصادي الإقليمي، مما يجعل من سد النهضة مشروعاً لخدمة التنمية في المنطقة بأسرها، بشرط توفر الإرادة السياسية المشتركة لمراعاة هواجس الجميع.
مصر ونهر النيل
في المقابل، يشكل نهر النيل بالنسبة لمصر المورد الأساسي، إذ تعتمد عليه البلاد من احتياجاتها المائية في الشرب والزراعة والصناعة.
ونظراً للطبيعة الجغرافية لمصر كدولة مصب تعاني من شح مائي نسبي، فإن الحفاظ على التدفقات المائية المستقرة يعد أمراً لا غنى عنه للحفاظ على السلم الاجتماعي والأمن الغذائي، وهو طموح تسعى القاهرة لتحقيقه وهذا ما تتبناه إثيوبيا في مفاوضاتها الاستخدام العادل للمياه والتخلي عن الحقب الاستعمارية التي لم تكن إثيوبيا طرفاً فيه مع الاعتراف الكامل بحق إثيوبيا المشروع في التنمية والازدهار.
المنفذ البحري لإثيوبيا.. ضرورة جيواقتصادية ملحة
على الصعيد الاستراتيجي الآخر، يبرز تطلع إثيوبيا لتأمين منفذ بحري كأحد أهم أولوياتها الجيوسياسية كأكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان، تواجه إثيوبيا قيوداً لوجستية واقتصادية ضخمة ترفع من تكلفة التجارة الخارجية وتحد من قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.
إن سعي أديس أبابا لتأمين وصول مستقر وسيادي للموانئ على البحر الأحمر أو خليج عدن هو ضرورة اقتصاديّة حتمية، تهدف إلى:
* تسهيل حركة الصادرات والواردات وضمان سلاسل إمداد مستدامة للاقتصاد الإثيوبي الناشئ.
* تعزيز مكانة الدولة كمركز صناعي وزراعي إقليمي في شرق إفريقيا.
* المساهمة الفعالة في أمن الممرات المائية بالتشارك والتنسيق مع القوى الإقليمية. إطار التعاون الإقليمي تبادل المنافع كأداة للاستقرار
إن نجاح المنطقة يعتمد على الربط الخلاق بين هذه الملفات ضمن سلة واحدة من المنافع المتبادلة والمصالح المتقاطعة (Win-Win). ويمكن للاستقرار أن يتحقق من خلال ثلاثة محاور تكاملية:
1. شراكة الطاقة واللوجستيات: يمكن لإثيوبيا أن تصبح المزوّد الرئيسي للطاقة المتجددة في المنطقة، مما يدعم خطط التنمية الشاملة لجيرانها.
2. تكامل الممرات الاستراتيجية: إن تأمين منفذ بحري مستدام لإثيوبيا يفتح آفاقاً واسعة لتنشيط حركة التجارة البينية الإفريقية، ويخلق أسواقاً جديدة وممرات نقل حيوية.
3. الأمن الجماعي المستدام: صياغة رؤية أمنية وسياسية مشتركة لحماية البحر الأحمر ومنابع النيل، تحترم سيادة الدول وتضمن في الوقت نفسه حرية التجارة العالمية والأمن المائي والغذائي للجميع.
لا يمكن فك الارتباط بين أمن المياه في وادي النيل وأمن البحار في القرن الإفريقي إن الاعتراف المتبادل بسريان المياه لمصر، وحتمية المنفذ البحري