إثيوبيا.. نموذج أفريقي في احتضان اللاجئين ودمجهم في المجتمع
56
في وقت تتزايد فيه أعداد النازحين واللاجئين حول العالم، وتتصاعد فيه القيود المفروضة على حركة البشر في العديد من المناطق، تبرز إثيوبيا كنموذج أفريقي يسعى إلى تحويل قضية اللجوء من عبء إنساني إلى فرصة للتنمية المشتركة والاندماج المجتمعي.
تُعد إثيوبيا من أكبر الدول المستضيفة للاجئين في أفريقيا، حيث فتحت أبوابها لعقود أمام الفارين من النزاعات وعدم الاستقرار في دول الجوار، لا سيما من جنوب السودان والصومال والسودان وإريتريا واليمن وسوريا.
ولم تقتصر جهودها على توفير الحماية والمأوى، بل اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تبني سياسات أكثر شمولاً تهدف إلى دمج اللاجئين في المجتمع وتمكينهم اقتصادياً واجتماعياً.
ويُنظر إلى إطلاق “خارطة طريق ماكاتيت” مؤخراً باعتباره محطة مهمة في هذا المسار، إذ تمثل المبادرة إطاراً وطنياً شاملاً يهدف إلى دمج اللاجئين في أنظمة التعليم والصحة والتنمية الاقتصادية، بما يتيح لهم بناء حياة مستقرة ومنتجة داخل المجتمعات المضيفة.
وتقوم الرؤية الإثيوبية الجديدة على الانتقال من مفهوم المساعدات الإنسانية التقليدية إلى نهج تنموي طويل الأمد يعزز الاعتماد على الذات.
فبدلاً من بقاء اللاجئين في مخيمات معزولة، تسعى الحكومة إلى توسيع فرص حصولهم على التعليم والخدمات الأساسية وفرص العمل، بما يساهم في تحسين ظروفهم المعيشية ويدعم الاقتصادات المحلية في الوقت ذاته.
ومن أبرز جوانب هذه السياسة منح اللاجئين فرصاً أوسع للمشاركة في الأنشطة الاقتصادية والعمل والاستثمار ضمن الأطر القانونية المعتمدة، الأمر الذي يساعدهم على تأمين مصادر دخل مستقلة ويحد من الاعتماد على المساعدات الخارجية.
كما يسهم ذلك في خلق قيمة اقتصادية إضافية للمجتمعات المضيفة من خلال توسيع النشاط التجاري والإنتاجي.
وقد حظيت هذه التوجهات بإشادة واسعة من المنظمات الدولية والإقليمية، فقد اعتبرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن خارطة الطريق الجديدة تمثل خطوة مهمة نحو تحسين سبل عيش اللاجئين وتعزيز كرامتهم واعتمادهم على أنفسهم.
كما أشادت المفوضية بالدور الذي تضطلع به إثيوبيا في استضافة الأشخاص الفارين من الحروب والاضطهاد وعدم الاستقرار.
من جانبها، وصفت مفوضية الاتحاد الأفريقي المبادرة الإثيوبية بأنها نموذج عملي لترجمة الالتزامات الأفريقية الخاصة بإدماج اللاجئين إلى سياسات وإجراءات ملموسة، مؤكدة أنها تتماشى مع أهداف أجندة أفريقيا 2063 الرامية إلى بناء قارة مزدهرة وشاملة لا تترك أحداً خلف الركب.
وتعكس التجربة الإثيوبية فهماً متزايداً للعلاقة الوثيقة بين التنمية والاستقرار الإقليمي، فتمكين اللاجئين من التعليم والعمل والإنتاج لا يخدمهم وحدهم، بل يسهم أيضاً في تعزيز التماسك الاجتماعي، وتوسيع النشاط الاقتصادي، والحد من التحديات المرتبطة بالنزوح القسري.
وفي ظل الأزمات الإنسانية المتزايدة عالمياً، تقدم إثيوبيا تجربة تستحق المتابعة، ليس فقط باعتبارها دولة مضيفة للاجئين، بل بوصفها دولة تسعى إلى بناء نموذج يقوم على الشراكة والاندماج والاعتماد على الذات، بما يعود بالنفع على اللاجئين والمجتمعات المضيفة معاً.