الوصول إلى الطاقة المتجددة.. رحلة إثيوبيا نحو الانتعاش الاقتصادي
51
تمضي إثيوبيا بخطى متسارعة نحو بناء منظومة طاقة مستدامة، مستفيدة من مواردها الطبيعية الهائلة لتوسيع نطاق الوصول إلى الكهرباء، وتعزيز النمو الاقتصادي، وترسيخ أسس الاقتصاد الأخضر.
ورغم تصنيفها ضمن أسرع الاقتصادات نموًا في أفريقيا، لا يزال ملايين المواطنين يفتقرون إلى خدمات الكهرباء، وهو ما دفع الحكومة إلى إطلاق استراتيجية وطنية شاملة للطاقة المتجددة في إطار البرنامج الوطني للكهرباء.
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى توفير الطاقة النظيفة لجميع المواطنين عبر التوسع في استغلال مصادر الطاقة المتجددة، بما يسهم في سد فجوة الطاقة وتحفيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف أنحاء البلاد.
وعلى مدى السنوات الماضية، كثّفت إثيوبيا جهودها لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، معتمدةً على سلسلة من المشروعات الكبرى لتوليد الكهرباء، من بينها محطات أبا كساموئيل، وقوقا، وجلجل جيبي 2، وجلجل جيبي 3، وكويشا، وتانا بلس، وتكزي، وجينالي داوا 3، إلى جانب سد النهضة، الذي يُعد أكبر مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية في البلاد.
وتُنتج إثيوبيا اليوم أكثر من 90% من كهربائها من الطاقة الكهرومائية، فيما تؤدي مزارع الرياح في أداما وأشيغودا ومقلي دورًا مهمًا في تعزيز استقرار إمدادات الكهرباء، خاصة خلال فترات انخفاض منسوب المياه.
وفي المناطق الريفية البعيدة عن شبكة الكهرباء الوطنية، أصبحت الطاقة الشمسية خيارًا عمليًا واقتصاديًا لتوفير الكهرباء، حيث يستفيد حاليًا 35.7% من مستخدمي الكهرباء من أنظمة الطاقة الشمسية خارج الشبكة.
كما تعمل البلاد على تنويع مصادر الطاقة عبر تطوير مشاريع الطاقة الحرارية الأرضية في وادي ريفتفال، بهدف إنشاء مصدر طاقة مستدام وقادر على مواجهة آثار تغير المناخ.
وتسعى الحكومة إلى رفع نسبة الوصول إلى الكهرباء من 65% حاليًا إلى التغطية الشاملة، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة. ولتحقيق ذلك، تعتمد على تقنيات المعلومات الجغرافية المكانية لإعداد خطة وطنية تحدد أكثر الوسائل كفاءة لتزويد كل منطقة بالطاقة، سواء عبر الشبكة الرئيسية أو الشبكات الفرعية أو أنظمة الطاقة الشمسية المستقلة.
وفي موازاة ذلك، أولت الحكومة اهتمامًا متزايدًا بتوسيع مشاركة القطاع الخاص في قطاع الطاقة، من خلال إصلاحات سياسية وتشريعية أنهت احتكار الدولة لتوليد الكهرباء، وأتاحت للمستثمرين الدخول في مشاريع الطاقة المتجددة عبر برنامج الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وقد أسهمت هذه الإصلاحات في ربط مئات الآلاف من الأسر الجديدة بشبكة الكهرباء، إلى جانب تعزيز القدرات المؤسسية لبرنامج كهربة إثيوبيا، بما يدعم جهود التوسع في خدمات الطاقة على مستوى البلاد.
ولا تقتصر أهمية هذه الجهود على توفير الكهرباء، بل تمتد إلى تحقيق أهداف التنمية طويلة الأجل، إذ يُسهم إيصال الطاقة إلى المراكز الصحية والمدارس الريفية ومصانع الصناعات الزراعية الصغيرة في تحسين مستوى الخدمات، ورفع جودة الحياة، ودعم النشاط الاقتصادي في المجتمعات المحلية.
كما يُعد توفير إمدادات كهربائية مستقرة وبأسعار مناسبة للمناطق الصناعية والمنتجين المحليين ركيزة أساسية لتعزيز التصنيع وخلق فرص العمل ودفع عجلة النمو الاقتصادي.
وعلى الصعيد الإقليمي، تواصل إثيوبيا ترسيخ مكانتها بوصفها مركزًا للطاقة النظيفة في شرق أفريقيا، من خلال تصدير الكهرباء المتجددة إلى كينيا وجيبوتي والسودان، في خطوة تعكس التزامها بتعزيز التكامل الإقليمي والدبلوماسية الخضراء، ودعم مسار التنمية المستدامة الصديقة للمناخ.
ورغم التحديات التي تواجه قطاع الطاقة، فإن الاستراتيجيات الحديثة والمشروعات الكبرى التي تنفذها البلاد تمهد الطريق نحو مستقبل أكثر إشراقًا، إذ لم تعد محطات توليد الكهرباء مجرد مصدر للطاقة، بل أصبحت ركيزة لبناء اقتصاد أخضر قادر على التكيف مع تغير المناخ.
ومع توسيع مشاركة القطاع الخاص، وتعزيز القدرات التمويلية، واستكمال المشاريع الكبرى الجاري تنفيذها، تمتلك إثيوبيا فرصة حقيقية لتحقيق رؤيتها الرامية إلى توفير الطاقة النظيفة لجميع المواطنين بحلول عام 2035، وترسيخ مكانتها كإحدى الدول الرائدة في مجال الطاقة المتجددة على مستوى أفريقيا.