Fana: At a Speed of Life!

المنفذ البحري: قضية تنمية ومسألة وجود لإثيوبيا

الشريان المفقود للاقتصاد والسيادة

ليس المنفذ البحري مجرد سيادة على شريط ساحلي، بل هو شريان للتجارة، وركيزة للاقتصاد، ومنطلق للحضارة، ومصدر للنفوذ الجيوسياسي، فمعظم الحضارات الكبرى عبر التاريخ نشأت وتطورت على ضفاف المسطحات المائية؛ إذ يمثل البحر وسيلة لتسهيل حركة التجارة، وضمانة للأمن، وتأكيداً للسيادة الوطنية.

تُظهر الأرقام أن نحو 80% من التجارة العالمية تعبر الممرات البحرية، بحجم شحن يصل سنوياً إلى زهاء 12 مليار طن وتتمتع الدول ذات المنافذ البحرية بقدرات أفضل لتحقيق النمو السريع، وتوسيع الصادرات، وتطوير الصناعة، وتأكيد حضورها الإقليمي، وفي المقابل، تعاني الدول غير الساحلية من تكاليف لوجستية باهظة، وبطء في الحركة التجارية، وتبعية خارجية مستمرة، مما ي جعل الوصول إلى البحر قضية وجودية ممتدة.

مفارقة الدولة غير السياحلية الأكثر سكاناً

تتجلى هذه المفارقة بوضوح في الحالة الإثيوبية؛ إذ تُعد إثيوبيا الدولة الوحيدة في أفريقيا التي يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، وتشهد تحولات اقتصادية متسارعة في مجالات الزراعة، والصناعة، والتعدين، والسياحة، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، ومع ذلك تظل محرومة من منفذ بحري مباشر.

وفي منطقة القرن الأفريقي المتغيرة، فإن حصول دولة بهذا الحجم السكاني والاقتصادي على منفذ بحري آمن ومستدام لا يُعد رفاهية أو خياراً ثانوياً، بل هو عدالة تنموية وضمانة لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة للمنطقة ككل.

العمق التاريخي.. من حضارة أكسوم إلى ميناء عصب

يمثل البحر الأحمر الممر الاستراتيجي الذي يربط بين أوربا وآسيا وأفريقيا، ويوصل قناة السويس بالمحيط الهندي وفي هذه المنطقة الجيواستراتيجية الحيوية، تستند إثيوبيا إلى إرث تاريخي وجغرافي يربطها بالبحر:

  • إرث حضارة أكسوم: لعب ميناء عدوليس التاريخي دوراً مركزياً في شبكة التجارة العالمية لمملكة أكسوم، حيث كانت تصدر عبره المنتجات الوطنية والذهب والتوابل إلى الرومان، ومصر، والهند، والجزيرة العربية، والشرق الأقصى.

  • التاريخ الحديث: ظل ميناء عصب وإثيوبيا حتى عقود قريبة يمثلان امتداداً جغرافياً واقتصادياً واحداً.

رأي أكاديمي:

يوضح الدكتور بلطي برهانو، المحاضر بجامعة أديس أبا، أن الحضارة الإثيوبية ارتبطت تاريخياً بمياه النيل والبحر الأحمر، ويرى أن عزل إثيوبيا عن الساحل شكل إجحافاً بالسيادة الوطنية، مؤكداً أن المطلب الإثيوبي الحالي يعتمد على أسانيد قانونية، وتاريخية، واقتصادية، وجغرافية متماسكة.

يوضح الطرح الإثيوبي أن خروج البلاد من المنافذ البحرية قبل ثلاثة عقود أدى إلى إدخال دولة بحجم إثيوبيا في تحديات جيوسياسية متواصلة، وفي هذا السياق، تطرق رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد في مناسبات سابقة إلى طبيعة ذلك التحول، مشيراً إلى أنه تم بمعزل عن القرار المؤسسي الجامع أو الاستفتاء الشعبي.

ومع ذلك، يؤكد الخطاب الإثيوبي الرسمي والأكاديمي أن المطالبة بالوصول إلى البحر:

  1. لا تستهدف التوسع أو المساس بسيادة أي من دول الجوار.

  2. تسعى إلى إيجاد حلول تنموية من خلال الحوار السلمي، والمصلحة المشتركة، والتكامل الإقليمي، والقانون الدولي.

الأبعاد الاقتصادية واللوجستية

شهدت إثيوبيا في السنوات الأخيرة نمواً في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي والتعدين إلا أن استدامة هذا النمو ترتبط بوجود منظومة لوجستية كفؤة ومنافذ بحرية مستقرة.

كلفة العزلة البحرية بالأرقام:

التكلفة اللوجستية: تنفق إثيوبيا سنوياً ما بين 1.5 إلى 2 مليار دولار لتمويل خدمات الموانئ والخدمات اللوجستية، وفق ما أوضحه ممثل الحكومة الإثيوبية بالبرلمان وزير الدولة الدكتور تسفاي بلجيغي.

ويشير الدكتور جمال محمد، الخبير الاقتصادي، إلى أن غياب المنافذ البحرية المباشرة والمستقلة يحد من تنافسية الصادرات الوطنية ويفرط في تحميل الاقتصاد المحلي تكاليف إضافية.

البحر الأحمر.. مركز الاستقطاب الدولي ورؤية “الاقتصاد الأزرق

حيث أصبح أمن البحر الأحمر قضية دولية نظراً لدوره في حركة الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية ورغم عزلتها الجغرافية عن الشاطئ، تظل إثيوبيا الثقل السكاني والاقتصادي الأكبر في محيط القرن الأفريقي.

تتطلع أديس أبابا إلى أن يكون نفاذها إلى البحر بوابة لتنشيط الاقتصاد الأزرق، وتوفير فرص العمل، وتوسيع الشراكات المتبادلة مع دول المنطقة، بما يحول الموانئ الإقليمية من أدوات للتنافس إلى منصات للتكامل والازدهار المشترك.

إن قضية المنفذ البحري بالنسبة لإثيوبيا تجاوزت كونها استعادة لحقائق التاريخ، لتصبح رؤية استراتيجية ترتبط بمستقبل الأجيال القادمة وبناء اقتصاد متكامل في القرن الأفريقي.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.