المنفذ البحري لإثيوبيا.. قرارات الماضي وتداعياتها الاستراتيجية
47
تمتلك إثيوبيا تاريخًا عريقًا في مواجهة الغزاة والدفاع عن سيادتها ووحدتها الوطنية، حيث شكلت مواجهة الأطماع الخارجية عبر التاريخ إحدى أبرز سمات الشعب الإثيوبي.
غير أن قوى سياسية ظهرت في مراحل مختلفة استغلت رغبات السلطة والمصالح الضيقة، وأقدمت على قرارات عرّضت المصالح الوطنية للخطر.
ومن بين هذه القوى، برزت جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، “المنشقة”، والتي ارتبط مسارها منذ تأسيسها بعلاقات عسكرية وسياسية مع الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، إلى جانب علاقات مع قوى خارجية أخرى.
وخلال فترة وجودها في النضال المسلح، أقامت الجبهة تحالفات مع أطراف خارجية، وبعد وصولها إلى السلطة اتخذت قرارات غير برلمانية أثرت بشكل مباشر على الحقوق التاريخية والقانونية لإثيوبيا في الوصول إلى البحر.
وقد أدى ذلك إلى فقدان البلاد منفذها البحري، وتحولها إلى دولة غير ساحلية يزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة، الأمر الذي فرض عليها تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة.
ولم يكن فقدان المنفذ البحري مجرد قضية مرتبطة بالتجارة والنقل، بل أصبح ملفًا استراتيجيًا يرتبط بسيادة البلاد واستقلال قرارها الاقتصادي والأمني، في ظل اعتمادها على موانئ خارج حدودها لتلبية احتياجاتها التجارية.
كما اتبعت الجبهة خلال فترة حكمها التي استمرت 27 عامًا، وفق ما يرد في هذا السياق، سياسات قائمة على تعميق الانقسامات الداخلية واستخدام الخلافات المجتمعية كأداة سياسية لإطالة فترة بقائها في السلطة، بدلًا من معالجة مطالب المواطنين المتعلقة بالتنمية والحكم الرشيد.
ورغم تحقيق قياداتها مكاسب اقتصادية وسياسية خلال تلك الفترة، فإن سكان إقليم تيغراي، وفق هذا الطرح، لم يحصدوا سوى نتائج الصراعات المتكررة، حيث دفع الشباب ثمن الحروب والخلافات السياسية التي قادت إلى خسائر بشرية ومعاناة واسعة.
وخلال السنوات الأخيرة، اتُّهمت الجبهة بمحاولة عرقلة مشاريع وطنية استراتيجية، من بينها سد النهضة الإثيوبي الكبير، عبر مواقف واتصالات مع أطراف خارجية هدفت إلى التأثير على مسار المشروع وإضعاف جهود التنمية في إثيوبيا.
كما ارتبطت سياساتها، وفق هذا الطرح، بمحاولات التأثير على استقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، من خلال علاقات وتحالفات مع قوى خارجية، الأمر الذي اعتُبر متعارضًا مع المصالح الوطنية الإثيوبية.
إن فقدان إثيوبيا لمنفذها البحري يمثل أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجهها اليوم، بعد أن أصبحت دولة غير ساحلية رغم حجمها السكاني وموقعها الجغرافي وأهميتها الإقليمية.
ولذلك أصبح ضمان الوصول إلى البحر وتعزيز المصالح الاقتصادية والأمنية من القضايا الأساسية في مسارها المستقبلي.