تضطلع إثيوبيا بدور مهم في الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز السلام والأمن والاستقرار الإقليمي في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وأهميتها السياسية والاقتصادية في منطقة القرن الأفريقي.
ونظراً لكون معظم صادرات وواردات إثيوبيا تمر عبر الموانئ البحرية، فإن الاضطرابات الأمنية أو اللوجستية التي تشهدها منطقة البحر الأحمر وخليج عدن تنعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني للبلاد. وعقب التحديات الأمنية التي شهدها مضيق هرمز، تصاعدت مخاوف عدد من دول العالم بشأن أمن الممر البحري الممتد من باب المندب إلى قناة السويس.
وفي إطار الحد من هذه المخاطر وحماية مصالحها المختلفة، عززت بعض الدول، بالتعاون مع الدول الساحلية في المنطقة، القواعد والمنشآت العسكرية التي أنشأتها في المنطقة، إلا أن البحر الأحمر لا يزال يواجه مخاطر مرتبطة بالقرصنة والاتجار غير المشروع وجرائم تهريب البشر.
وتؤمن إثيوبيا بأن السلام في القرن الأفريقي يرتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر، ولذلك تواصل إسهامها في الحوارات متعددة الأطراف الرامية إلى مواجهة التحديات الأمنية العابرة للحدود. كما تدعم إثيوبيا الجهود الرامية إلى تعزيز الاستجابة المنسقة لدول المنطقة لمواجهة الاتجار غير المشروع بالبشر والأسلحة والمخدرات، إلى جانب الجرائم البحرية المختلفة.
ويشكل الترابط الجغرافي والشراكة الأمنية بين إثيوبيا ودول القرن الأفريقي عاملاً مهماً في تعزيز الاستقرار في منطقة البحر الأحمر. ونظراً لتأثير الاضطرابات السياسية والتحديات الأمنية في المنطقة بصورة مباشرة على الأمن القومي الإثيوبي، تواصل إثيوبيا العمل وفق نهج التعاون من أجل تحقيق السلام والاستقرار المستدامين في المنطقة.
ويُنظر إلى أمن القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، لا يمكن الفصل بينهما. وبفضل تعداد سكانها الكبير، ونشاطها الاقتصادي، وموقعها الجيوسياسي، تتمتع إثيوبيا بدور مؤثر في المنطقة، الأمر الذي يجعل مشاركتها النشطة في الحوارات البحرية والأمنية أمراً مهماً لتعزيز السلام المستدام.
وفي هذا السياق، تعمل إثيوبيا على توظيف نفوذها السياسي والاقتصادي الواسع في المنطقة للمساهمة في حماية الممرات التجارية الاستراتيجية من المخاطر، وهو ما برز بوضوح في الدورة الخامسة من المنتدى الدولي بشأن إنفاذ القانون البحري في البحر الأحمر وخليج عدن الذي عُقد مؤخراً في العاصمة الكينية نيروبي.
حيث قدم الوفد الإثيوبي مشاركة عكست المصالح الوطنية والإقليمية للبلاد.وأظهرت المشاركة الإثيوبية في الحوار أهمية الدور الذي تضطلع به البلاد وملكيتها للملفات المرتبطة بالسلام والتكامل الاقتصادي في المنطقة.وبالنسبة لإثيوبيا، يمثل أمن الوصول إلى البحر قضية وجودية.
وقال ممثل الهيئة البحرية الإثيوبية، الكابتن كبرو مسفن، الذي شارك في الحوار، إن اضطراب الأمن البحري يؤثر بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني للبلاد.وأوضح أن الجزء الأكبر من تجارة إثيوبيا الخارجية يعتمد على النقل البحري، ما يجعل من الضروري تعزيز العمل المنسق لمنع القرصنة والأنشطة غير القانونية في البحر الأحمر من التسبب في تعطيل تدفق التجارة.
وشدد الكابتن كبرو على أن ارتفاع تكاليف التأمين على السفن وتأخر وصول السلع قد يؤثران على القدرة التنافسية التجارية للبلاد، مؤكداً ضرورة إنشاء نظام قوي ومنسق للرقابة والأمن البحري. وفي إطار مواجهة هذه التحديات العالمية، تتقدم إثيوبيا بمقترحات للحلول المشتركة، ومن أبرزهاخطة إنشاء المركز الوطني للمعلومات البحرية بالتنسيق مع الدول المجاورة، في خطوة تعكس رؤيتها طويلة الأمد لتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وتؤمن إثيوبيا بأن تبادل المعلومات بصورة مشتركة واتخاذ إجراءات منسقة لإنفاذ القانون يمثلان أهم الأدوات اللازمة لتحقيق هذا الهدف. ونظراً للطبيعة العابرة للحدود للمخاطر التي تشهدها منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، بما في ذلك تهريب البشر والمخدرات والصيد غير القانوني، فإن مشاركة القوى الإقليمية، ومن بينها إثيوبيا، حظيت باهتمام المجتمع الدولي.
حيث قال منسق منطقة القرن الأفريقي بمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة مصطفى البنا، إن الإمكانات السياسية والاقتصادية التي تتمتع بها إثيوبيا في القرن الأفريقي يمكن أن تسهم بصورة كبيرة في جعل طرق التجارة الدولية أكثر أمناً واستقراراً.
وتواصل إثيوبيا تعزيز تحركاتها الدبلوماسية والعملية لحماية مصالحها الاستراتيجية في منطقة البحر الأحمر والمساهمة في تحقيق الازدهار المشترك. كما تعمل إثيوبيا بشكل وثيق مع مؤسسات دولية، من بينها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، والإنتربول، والمنظمة الدولية للهجرة، إلى جانب تعاونها مع الدول المجاورة، بما يعزز دورها في دعم السلام والأمن في المنطقة وفق أطر قانونية ومسؤولية تاريخية.
وتشير المعطيات إلى أن إثيوبيا تعمل على تطوير قدراتها الدفاعية، بما في ذلك القدرات البحرية، في إطار بناء قوة دفاعية تتمتع بالانضباط والقدرة على تنفيذ مهامها. كما أن للجيش الإثيوبي سجلاً في عمليات حفظ السلام، حيث شارك في أوقات مختلفة في جهود دعم السلام في دول واجهت أزمات وتحديات، ما عزز خبرته في هذا المجال. وفي ظل الحاجة إلى قوة قادرة على الإسهام في حماية أمن المنطقة، تنظر دول قريبة وبعيدة بإيجابية إلى تعزيز الوجود والقدرات البحرية لإثيوبيا.
وفي هذا الإطار، أشار وزير المالية والاقتصاد في جيبوتي، إلياس موسى دواله، في مقابلة أجراها مؤخراً مع وسيلة إعلام محلية، إلى أن بلاده لا تمتلك القدرات الكافية بمفردها لتأمين باب المندب والحفاظ على أمن المنطقة، مؤكداً أهمية مساعدة الدول الأخرى.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن إثيوبيا، التي تسعى إلى استعادة حقها في الوصول إلى البحر، تمتلك إمكانات متعددة الأبعاد يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تعزيز السلام والأمن، سواء في المنطقة أو داخل البلاد.