Fana: At a Speed of Life!

إنقوطاطاش.. حين تستقبل إثيوبيا عاماً جديداً بعبق التراث وفرحة التجدد

مع اقتراب الحادي عشر من سبتمبر، تعيش إثيوبيا واحدة من أكثر فترات العام حيوية وارتباطاً بالهوية والتراث، استعداداً لاستقبال إنقوطاطاش (رأس السنة الإثيوبية)، في مناسبة تتجاوز كونها بداية لعام جديد، لتشكل احتفالاً بالحياة والتجدد والتواصل الاجتماعي والعادات الشعبية والمظاهر الثقافية المتوارثة عبر الأجيال.

ويحل إنقوطاطاش في الأول من شهر مسكرم وفق التقويم المحلي، الموافق للحادي عشر من سبتمبر في التقويم الميلادي، أو الثاني عشر منه في السنوات الكبيسة. ويتميز التقويم الإثيوبي بوجود ثلاثة عشر شهراً؛ اثنا عشر منها تضم ثلاثين يوماً، فيما يضم الشهر الثالث عشر، المعروف باسم باغومي، خمسة أيام عادةً وستة أيام في السنة الكبيسة.

ولا يأتي العام الجديد في إثيوبيا بمعزل عن الطبيعة؛ إذ يتزامن مع انحسار موسم الأمطار الطويل وعودة السماء الصافية والشمس، فيما تكتسي المرتفعات والسهول بالزهور الصفراء المعروفة باسم أدي أبابا، التي أصبحت إحدى أبرز العلامات البصرية المرتبطة بالمناسبة.

ومن هنا يكتسب إنقوطاطاش دلالة رمزية باعتباره انتقالاً من موسم إلى آخر، ومن عام مضى إلى عام يحمل آمالاً جديدة.

أشندا وأجواء الفلكلور: أهازيج الجمال والنماء تسبق حلول رأس السنة الإثيوبية فعاليات ثقافية ومهرجانات تراثية عريقة تخص الفتيات والشابات وتتنوع أسماؤها باختلاف الأقاليم؛ بدءاً من مهرجان “أشندا” في إقليم تيغراي، ومهرجان “أشندايي” في منطقة وولو، وصولاً إلى مهرجانات “شادي” في واغ همرا و”أينواري” بإقليم أمهرة.

وتتردد في أرجاء القرى والأحياء، مع دنو السنة الجديدة وانقضاء فصل الأمطار، أهازيج شعبية مبهجة تتغنّى بـ “لملم” والتي تعني في اللغة الأمهرية “الخضرة والنماء” وتجشؤ الأرض بالخيرات.

وتتصدّر هذه اللوحاتِ الفلكلوريةَ مجموعاتٌ من الفتيات والشابات اللاتي يرتدين الأزياء التقليدية المزركشة، ويطفن بين البيوت في حلقات رقص جماعية مفعمة بالحيوية، ممسكات بأكاليل حزم العشب العطري وأزهار الربيع الصفراء، ومردداتٍ بترنيم إيقاعي كلمتي “لملم… لملم” كبشارة ببدء موسم الخصب والانتقال إلى عام جديد تسوده البركة والازدهار.

باغومي.. الأيام التي تودّع العام

مع حلول شهر باغومي، الشهر الثالث عشر والأخير في التقويم الإثيوبي، تبدأ ملامح الاستعداد للعام الجديد بالظهور في مختلف أنحاء البلاد.

وتشهد الأسواق حركة متزايدة مع إقبال الأسر على شراء الملابس الجديدة والمواد الغذائية ومستلزمات الاحتفال، فيما تنشغل العائلات بتنظيف المنازل وترتيبها وتجهيزها لاستقبال الأقارب والضيوف.

ولا تقتصر هذه الأيام على التحضيرات المنزلية، بل تتحول إلى فترة اجتماعية نابضة بالحركة، تتبادل خلالها الأسر الزيارات والتهاني، وتستعد لإعداد الأطعمة التقليدية وإحياء الطقوس المرتبطة بالمناسبة.

ومع اقتراب إنقوطاطاش، تتصاعد أجواء الفرح والترقب، في مشهد يعكس مكانة رأس السنة الإثيوبية بوصفها مناسبة للتجدد والتواصل وتعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية.

إنقوطاطاش.. عيد للتجدد والتواصل

وعندما تدق ساعة الانتقال إلى العام الجديد، لا يحتفل الإثيوبيون بمجرد تغيير رقم في التقويم، بل يستحضرون معنى أعمق يرتبط بالتجدد واستعادة الأمل وتقوية الروابط الاجتماعية.

وهكذا، فإن إنقوطاطاش ليس يوماً واحداً فحسب، بل هو ذروة موسم كامل يبدأ بأيام باغومي، ويمر عبر المهرجانات والاحتفالات الشعبية مثل أشندا وغيرها، وصولاً إلى ليلة رأس السنة وطقوسها، ثم صباح العيد بما يحمله من أزهار وملابس جديدة وأغانٍ وزيارات وموائد عامرة.

إنها لحظة تتجدد فيها العلاقة بين الإنسان والأرض والمجتمع؛ فمع انقضاء موسم الأمطار، وظهور الشمس وتفتح الزهور، تستقبل إثيوبيا عاماً جديداً وهي تستحضر ماضيها، وتحتفي بحاضرها، وتتطلع إلى مستقبل أكثر أملاً وازدهاراً.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.