إثيوبيا تجد مكانها في الطاولة الأمامية لـ عالم متغير
61
العالم يعيد تشكيل نفسه؛ إذ لم يعد نفوذ القوة متمركزاً كما كان في السابق، بل يتسع الثقل الاقتصادي وتظهر مراكز نفوذ جديدة، بينما تسعى دول الجنوب العالمي ليكون لها صوت أكبر في القرارات التي تصيغ مستقبلها.
بالنسبة لإثيوبيا، ليس هذا التحول مجرد تطور جيوسياسي بعيد المدى يُشاهد من الهامش، بل يتحول إلى فرصة دبلوماسية للانخراط الفاعل. وتظهر الصورة الأوضح في نيو دلهي، حيث يشارك رئيس الوزراء آبي أحمد في قمة قادة بريكس الثامنة عشرة إلى جانب قادة أكبر دول العالم وأكثرها تأثيراً؛ مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وأعضاء آخرين في التكتل الممتد، في قمة تجذب أيضاً رؤساء مؤسسات دولية كبرى، بما في ذلك الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية.
إن الأهمية بالنسبة لإثيوبيا لا تكمن في مجرد الحضور، بل في الفضاء الدبلوماسي المتسع الذي يمكن لأديس أبابا من خلاله السعي لتحقيق مصالحها وبناء الشراكات والمساهمة في النقاشات حول مستقبل النظام الدولي.
لذلك كان انضمام إثيوبيا إلى بريكس في عام 2024 أكثر من مجرد إضافة إلى قائمة العضوية؛ إذ مثّل قناة جديدة للبلاد للتواصل مع المراكز الرئيسية للنفوذ الاقتصادي والسياسي، ولمواصلة اهتمامها الطويل الأجل بنظام متعدد الأطراف أكثر تمثيلاً. ومع ذلك، فإن هذا التحول يتجاوز تكتل بريكس بكثير.
دبلوماسية صُممت لعالم أكثر تنوعاً
تتمتع إثيوبيا تاريخياً برأس مال دبلوماسي كبير؛ كونها مقر للاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، ولطالما لعبت إثيوبيا دوراً بارزاً في السلام الأفريقي والدبلوماسية متعددة الأطراف. إن ما يتطور اليوم هو الطريقة التي يُنشر بها رأس المال الدبلوماسي.
تتجه دبلوماسية البلاد بشكل متزايد نحو التنويع عبر توسيع الشراكات بدلاً من الاعتماد على مركز قوة واحد، والسعي لتحقيق مكاسب عملية من العلاقات عبر مختلف المناطق. ويعني ذلك تعميق التواصل مع الصين والهند، واستمرار العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، وتوسيع الروابط الاقتصادية مع دول الخليج، والتفاعل الأكبر مع روسيا، وتعزيز التعاون بين دول الجنوب العالمي.
إن المنطق يزداد وضوحاً: في نظام دولي أكثر توزيعاً، تصبح المرونة الدبلوماسية أصلاً ثميناً. لا تحتاج إثيوبيا لتنحاز لطرف دون آخر ، بل يمكنها السعي للحصول على التكنولوجيا من شريك، والاستثمار من شريك آخر، وتمويل التنمية من آخر، والتعاون الدبلوماسي مع عدة شركاء، بشرط أن تخدم كل علاقة مصالحها الوطنية المحددة بوضوح. هذا هو جوهر الدبلوماسية التي تتشكل بشكل متزايد عبر الخيارات الاستراتيجية.
من التأثر إلى التأثير
السؤال الأكثر أهمية هو ما الذي تفعله إثيوبيا بالوصول الذي حققته. في قمة نيو دلهي، استغل رئيس الوزراء آبي أحمد المناسبة للتواصل مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بشأن التعاون الدفاعي، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، والتعدين، والتعاون نحو مؤتمر المناخ COP32.
تظهر مثل هذه اللقاءات كيف يمكن للدبلوماسية متعددة الأطراف أن تصبح أداة للتنمية الوطنية. لم تعد القمة مجرد تجمع بروتوكولي بل خلقت فرصاً للاستثمار والتكنولوجيا والمهارات والتجارة والتمويل والتعاون الاستراتيجي.
وينطبق المبدأ نفسه على سعي إثيوبيا للحصول على عضوية بنك التنمية الجديد، المؤسسة التنموية متعددة الأطراف المرتبطة ببريكس. بالنسبة لبلد يخوض تحولاً اقتصادياً كبيراً، فإن الوصول المتنوع إلى تمويل التنمية والاستثمار الدولي ليس مجرد اعتبار اقتصادي، بل هو جزء من استراتيجية دبلوماسية أوسع.إن الهدف هو تحويل العلاقات إلى قدرات ومؤهلات.
القرن الأفريقي يمنح إثيوبيا ورقة استراتيجية
تُعد إثيوبيا واحدة من أكبر دول أفريقيا من حيث السكان، وتقع في قلب القرن الأفريقي على مقربة من البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية الرئيسية، وبالتالي فإن مسارها الاقتصادي متشابك مع قضايا الترابط الإقليمي والتجارة والطاقة والأمن.هذا يمنح أديس أبابا مصالح تمتد إلى ما هو خارج حدودها.
إن وجود قرن أفريقي مستقر ومترابط اقتصادياً يخدم مصالح إثيوبيا؛ فالربط الإقليمي يمكن أن يوسع الأسواق، والبنية التحتية العابرة للحدود يمكن أن تقوي التجارة، والتعاون في مجال الطاقة يمكن أن يخلق روابط اقتصادية جديدة. وبالتالي، أصبحت الدبلوماسية الإقليمية لإثيوبيا مرتبطة بشكل متزايد بدبلوماسيتها الاقتصادية.
القرن الأفريقي ليس مجرد جوار، بل هو جزء من بيئة استراتيجية أوسع تسعى إثيوبيا من خلالها لبناء الترابط والشراكات التي تدعم تحولها.
صوت قاري بنطاق عالمي
هناك أيضاً أبعاد أفريقية واضحة لمكانة إثيوبيا الدبلوماسية المتنامية. بصفتها الدولة المستضيفة للاتحاد الأفريقي، تحتل أديس أبابا موقعاً فريداً. ولذلك فإن حضورها في بريكس والمحافل الدولية الأخرى يحمل أهمية تتجاوز إثيوبيا نفسها.
تُعد قضايا مثل تمويل التنمية، وتمويل المناخ، والوصول إلى التكنولوجيا، والأمن الغذائي وأمن الطاقة، والصحة، والتجارة، وإصلاح المؤسسات العالمية أولويات أفريقية رئيسية. إن قدرة إثيوبيا على نقل قضايا الجنوب العالمي الأوسع يمكن أن تمنح المصالح القارية منفذاً آخر للتعبير.
وهنا تبرز قيمة الجغرافيا الدبلوماسية لإثيوبيا بشكل خاص، يمكنها التواصل مع الجنوب العالمي كدولة أفريقية، المشاركة في الدبلوماسية القارية من مقر الاتحاد الأفريقي، ومتابعة مصالحها الوطنية كدولة رئيسية في شرق أفريقيا. الأبعاد الثلاثة تعزز بعضها بعضاً.
صعود دبلوماسية تحديد الأجندة
ربما يكون التغيير الأكثر أهمية هو أن دبلوماسية إثيوبيا أصبحت تهتم بشكل متزايد ليس فقط بالاستجابة للأجندات الدولية، بل وأيضاً بالمساهمة في تشكيلها. إن العالم المتغير يخلق مساحة للدول التي يمكنها الربط بين المناطق والمؤسسات والمصالح المختلفة.
وتحاول إثيوبيا بناء هذا الدور الرابط. تؤكد دبلوماسيتها بشكل متزايد على التنويع، والمشاركة الاقتصادية، والتكامل الإقليمي، والتعاون بين دول الجنوب، وصوت أقوى للدول النامية في صنع القرار الدولي. وهذا النهج ذو صلة خاصة لأن الدول في جميع أنحاء أفريقيا والجنوب العالمي الأوسع تسعى إلى تمثيل أكبر في المؤسسات التي شكلت هياكلها بشكل كبير عبر التوزيع السابق للقوة العالمية.
من الهامش إلى الطاولة الأمامية
لا شيء من هذا يجعل إثيوبيا قوة عظمى عالمية؛ لكن النفوذ لا يُقاس فقط بالحجم العسكري أو الاقتصادي. يمكن بناؤه أيضاً من خلال الجغرافيا الاستراتيجية، والشبكات الدبلوماسية، والوجود المؤسسي، والشراكات، والقدرة على جمع مختلف الفاعلين حول المصالح المشتركة. تمتلك إثيوبيا العديد من هذه الأصول، وتظهر دبلوماسيتها الأخيرة عزماً متزايداً على استخدامها.
إن الصورة القادمة من نيو دلهي ذات دلالة هامة لكونها تمثل ما هو أكبر من مجرد قمة. إنها تظهر إثيوبيا تجلس إلى جانب القوى الكبرى، وتتواصل مع شركاء من مختلف المناطق، وتشارك في مؤسسات الجنوب العالمي المتغير، وتسعى لتحقيق أولوياتها الخاصة داخل نظام دولي يتزايد تنوعه. إن الرحلة لا تزال بعيدة عن الاكتمال؛ إذ يجب أن تتحول الرؤية الدبلوماسية في النهاية إلى فرص اقتصادية، واستقرار إقليمي، وتطور تكنولوجي، واستثمار، ومؤسسات أقوى، وتنمية أكبر.
لكن الاتجاه واضح لا لبس فيه. لم تعد إثيوبيا مكتفية بمشاهدة بنية النظام الدولي تتطور من حولها. ومع تحرك العالم نحو مشهد أكثر تعددية للأقطاب، لا تسعى أديس أبابا لمجرد البحث عن مكان داخل النظام الناشئ، بل تسعى للحصول على صوت في تشكيل ما سيكون عليه ذلك النظام.