تحت الخوذ الزرقاء والخضراء.. الإرادة الراسخة والإرث التاريخي لقوات حفظ السلام الإثيوبية
47
لأكثر من سبعة عقود، عبر الجنود الإثيوبيون حدود بلادهم كمشاركين فاعلين في الجهود الدولية للحد من الصراعات، وحماية المجتمعات، وتوفير المساحة اللازمة لتحقيق السلام.
وقد بدأت هذه المسيرة التاريخية في شبه الجزيرة الكورية عام 1951، عندما انضمت إثيوبيا إلى القوة متعددة الجنسيات التابعة للأمم المتحدة خلال الحرب الكورية، لتتسع لاحقاً عبر القارة الأفريقية وخارجها، وتأخذ العسكريين الإثيوبيين إلى بعض أكثر البيئات الأمنية صعوبة في العالم، من الكونغو ورواندا إلى ليبيريا ودارفور وأبيي جنوب السودان.
وما بدأ كمساهمة مبكرة في إرساء نظام أمني دولي جديد بعد الحرب العالمية الثانية، تحول تدريجياً إلى ملمح أصيل في تفاعل إثيوبيا مع العالم، يجسد استعداداً مستمراً لوضع القدرات العسكرية في خدمة الأمن والسلام الجماعيين.
وتوثق الأمم المتحدة هذه المشاركة الإثيوبية في العمليات المعتمدة منذ عام 1951، واصفة القوات الإثيوبية بأنها لعبت دوراً حيوياً منذ الأيام الأولى لعمليات حفظ السلام وحتى أكثر العمليات المعاصرة أهمية.
ويمنح هذا السجل الحافل سمعة حفظ السلام الإثيوبية عمقاً استثنائياً لا يقتصر على مهمة واحدة أو صراع بعينه أو جيل واحد، بل يمتد في خط متصل من أول انتشار في كوريا إلى العمليات المعاصرة في أفريقيا، ومن الدوريات العادية وحماية المدنيين إلى قيادة القوات، والخدمات اللوجستية، والهندسة، والطيران، والدعم الطبي والإنساني.
وقد تجلى هذا التواجد الإثيوبي في محطات مفصلية من التاريخ العالمي؛ ففي عام 1960 شاركت إثيوبيا في عملية الأمم المتحدة في الكونغو لحفظ النظام وحماية السلامة الإقليمية للبلاد، لتتوسع هذه المشاركة في العقود التالية عبر القارة الأفريقية وتشمل عمليات حفظ السلام والتغييرات السياسية في رواندا، وبوروندي، وليبيريا، والسودان.
كما أسهمت إثيوبيا بفاعلية في البعثة المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد) المعتمدة منذ عام 2007، والتي جمعت بين حماية المدنيين، وتسهيل المساعدات، ودعم العملية السياسية وسيادة القانون.
وتتجسد الممارسة الإثيوبية عند تقاطع بعدين بارزين في الأمن الدولي؛ أحدهما نظام حفظ السلام العالمي الذي ترعاه الأمم المتحدة برمزية “الخوذ الزرقاء”، والآخر المنظومة الأفريقية لدعم السلام بقيادة الاتحاد الأفريقي والتي يرمز لها مفهوم “الخوذ الخضراء”.
وقد برهنت إثيوبيا على قدرتها العملياتية تحت مظلة هاتين المنظومتين، كما ظهر في إقليم أبيي حيث شكلت القوات الإثيوبية الركيزة الأساسية لقوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة (يونيسفا) منذ عام 2011، وتولى قادتها مسؤوليات قيادية رفيعة على مستوى المبادرة والتخطيط والقيادة الميدانية.
وراء هذه الأرقام والإنجازات يقبع جانب إنساني يتسم بالتضحية؛ إذ تعمل قوات حفظ السلام في بيئات محفوفة بالمخاطر والنزاعات المسلحة.
وتظهر سجلات الأمم المتحدة تضحيات 142 جندياً إثيوبياً تحت راية الأمم المتحدة عبر التاريخ، وهي تضحيات مستمرة حتى اليوم؛ ففي أغسطس 2026، قُتل جنديان إثيوبيان وأصيب ثلاثة آخرون في كمين استهدف دورية مشتركة لبعثة الأمم المتحدة في ولاية جونقلي بجنوب السودان، مما يذكر بأن سمعة إثيوبيا في حفظ السلام هي واقع مُعمد بالتضحيات الجسام وليست مجرد مكسب دبلوماسي نظري.
وتأتي الاستمرارية كأبرز ميزة للإرث الإثيوبي؛ فالجندي الإثيوبي الذي يخدم اليوم يقف ضمن امتداد تقاليدي بدأ قبل أكثر من 75 عاماً، تطورت خلاله مفاهيم حفظ السلام لتتحول من مجرد مراقبة وقف إطلاق النار إلى عمليات متعددة الأبعاد تشمل اللوجستيات، والاتصالات، والهندسة، والخدمات الطبية، والذكاء الاصطناعي، والتنسيق السياسي الإنساني.
وفي عام 2024، حصل أكثر من 1700 فرد عسكري من إثيوبيا ودول أخرى على تقدير أممي لدورهم في تأمين التحركات الإنسانية والدوريات المكثفة في جنوب السودان، كما تولت إثيوبيا الرئاسة المشتركة للمؤتمر الوزاري للأمم المتحدة لحفظ السلام عام 2025 لمناقشة مستقبل العمليات والشراكات التكنولوجية.
إن هذا التاريخ المتواصل يعكس مفارقة عميقة تؤكد أن الجيش الذي تأسس للذود عن السيادة والاستقلال الوطني، أصبح أداة رئيسية نادرة في خدمة السلام الإقليمي والدولي وتكريس مبدأ أن الأمن والسلام مسؤولية جماعية مشتركة.