تجاوز العقبات وتحقيق المستحيل.. إثيوبيا تصوغ لغة جديدة للتحول والصمود
91
لا يركض العداء نحو الحواجز ليتوقف أمامها، بل يجمع خطواته، ويرفع جسده، ويتجاوز الحاجز ليهبط مواصلًا التسارع نحو الهدف التالي.
هذا الإيقاع يجسد إلى حد كبير مسيرة إثيوبيا؛ إذ لم تكن رحلتها يومًا على طريق خالٍ من التحديات، بل اعترضتها باستمرار ضغوط اقتصادية، وصدمات مناخية، وانعدام في الأمن الغذائي، وفجوات في البنية التحتية، واضطرابات عالمية، وتحديات داخلية.ورغم ذلك، تجلت الميزة الرئيسية لهذه المسيرة في الإرادة الصلبة لتجاوز الحواجز مهما بلغت ارتفاعاتها.
لقد تعلمت إثيوبيا تحويل العقبات إلى قوة دفع، استنادًا إلى حكمة قديمة مفادها أن الضجيج على جانبي الطريق لا ينبغي أن يحدد مسار الرحلة. وتنعكس هذه الروح بوضوح في المشهد التنموي للبلاد، حيث تُعالج الظروف الصعبة باعتبارها مسائل تتطلب التفكير الإبتكاري، والإصرار، والعمل الإيجابي المنتِج.
ويبرز سد النهضة كأحد أقوى رموز هذا النهج؛ إذ تحول المشروع من فكرة وسط ضغوط مالية وتقنية وجيوسياسية هائلة إلى واقع ملموس، ليشكل مصدرًا رئيسيًا جديدًا للكهرباء المتجددة وركيزة للتحول الاقتصادي الشامل.
وتتجاوز أهمية المشروع مجرد كونه سدًا ليؤكد أن القيود يمكن أن تتحول إلى قدرات، والعجز إلى دافع للإنتاج، والظروف القاسية إلى محفز للابتكار.
وفي القطاع الزراعي، تتجلى هذه التجربة بوضوح؛ فبعد سنوات من اعتماد النظام الغذائي في إثيوبيا على مياه الأمطار والمحاصيل المستوردة، يسهم التوسع في الزراعة المروية ولاسيما زراعة القمح في تغيير هذه المعادلة.
ووفقًا لبيانات وزارة الزراعة الإثيوبية، ارتفعت المساحات المروية لزراعة القمح في موسم الجفاف من 20 ألف هكتار فقط في عام 2020 إلى .53 مليون هكتار في عام 2025، كما ارتفع الإنتاج خلال الفترة نفسها من 600 ألف قنطار إلى 128 مليون قنطار.
وفي السنة المالية 2025/2026، تمت زراعة أكثرمن 33.5 مليون هكتار بمختلف المحاصيل، بإنتاج إجمالي تجاوز 1.85مليار قنطار.
ولا تكمن الأهمية في حجم المحصول فحسب، بل في التحول الجذري في التعامل مع الفصول؛ حيث حل الري محل الاعتماد الكلي على الأمطار، وبدأ الإنتاج المحلي يحل محل الواردات، وتحول المفهوم العام للزراعة من مجرد سد للرمق إلى رؤية واسعة تستهدف الإنتاج التجاري، وزيادة القيمة المضافة، وتحقيق السيادة الغذائية.
وامتد هذا الفكر إلى المجال البيئي، ففي الوقت الذي تشكل فيه تدهور الأراضي والضغوط المناخية تحديات جارفة للائتمان الزراعي، نجحت مبادرة البصمة الخضراء في تحويل إعادة التأهيل البيئي إلى حراك وطني شامل .
ورُبطت عمليات غرس الملايين من الشتلات وتأهيل الأراضي بشكل مباشر بالتكيف المناخي، وصون التربة والمياه، ودعم سبل العيش، وزيادة الإنتاجية الزراعية.
وفي القطاع الرقمي، وتزامنًا مع مواجهة تحديات البنية التحتية والاتصالات والمهارات الرقمية، تعمل إثيوبيا على بناء بنية تحتية رقمية عامة وتوسيع الخدمات والتأهيل التكنولوجي.
ويضع إطار إثيوبيا الرقمية 2030 الذكاء الاصطناعي، والروبوتات الذكية، والتصنيع المتقدم، والتقنيات المناخية، والبنية التحتية الرقمية في مقدمة المجالات الكفيلة بإعادة تشكيل المسار التنموي، مستغلة دخول العصر التكنولوجي كفرصة لتجاوز مراحل تنموية تقليدية.
إن هذا الصمود لا يقتصر على التحمل فحسب، بل يمتد للتكيف والابتكار واستغلال الضغوط وتحويلها إلى طاقة إنتاجية. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني غياب الصعوبات؛ إذ لا تزال التحديات قائمة، بدءًا من تقلبات المناخ التي تختبر القطاع الزراعي، وفجوات الإنتاجية والبنية التحتية، والضغوط السكانية والاقتصادية على النظم الغذائية، وصولًا إلى قضايا الوصول والتكلفة والمهارات في التحول الرقمي.
إن المسيرة التنموية لإثيوبيا مستمرة ولم تنتهِ بعد؛ حيث يعمل العلم والري والتكنولوجيا جنبًا إلى جنب مع الأرض في القطاع الزراعي، ويشكل مشروع الطاقة العملاق قاعدة للتصنيع والتكهرب، وتُعامل الأراضي المتدهورة كأصول قابلة للإصلاح، بينما تُعالج العوائق التكنولوجية بإنشاء بنى تحتية وأنظمة حديثة. وتعتمد هذه الجهود على مبدأ ثابت مفاده أن العمل الملموس والإنتاج الفعلي هما المعيار الحقيقي للتقدم الوطني.
ويبقى قياس التقدم الوطني مرهونًا بما يتم بناؤه، وإنتاجه، وإصلاحه، وتوصيله، ونقله للأجيال القادمة؛ سواء كان سدًا يولد الطاقة، أو حقلًا ينتج في موسم الجفاف، أو نظامًا رقميًا يوفر الوقت، أو مصنعًا يضيف قيمة للموارد الوطنية.
إن إثيوبيا تواصل رحلتها التنموية بخطى ثابتة، معتمدة على تحويل التحديات والعقبات إلى فرص حقيقية للنمو والتقدم.