Fana: At a Speed of Life!

المؤامرات الجيوسياسية الإقليمية لمصر ومسيرة التنمية الإثيوبية الصامدة

يُجمع باحثو السياسات المائية والعلاقات الدولية على أن لمصر تاريخاً طويلاً في محاولات إغراق إثيوبيا في النزاعات الداخلية والتوترات الجيوسياسية، سعياً منها للحفاظ على النفوذ والهيمنة الأحادية على حوض نهر النيل.

وعلى مدى أربعة عقود، الممتدة من خمسينيات إلى تسعينيات القرن الماضي، عملت القاهرة على تنفيذ استراتيجية تهدف إلى إرباك الأمن الداخلي لإثيوبيا وعرقلة استغلالها لمواردها الطبيعية، مستفيدة في ذلك من تعاون أطراف داخلية لتسهيل تلك المخططات.

وتؤكد بيانات أوردتها معاهد أبحاث دولية أن مصر، خلال عهدي الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، أججت الصراعات الداخلية الإثيوبية عبر تقديم الدعم المالي للجماعات المتمردة والفصائل الانفصالية، بهدف صرف أديس أبابا عن التوجه نحو تنمية حوض النيل، إلى جانب ممارستها ضغوطاً دبلوماسية حثيثة لدى مؤسسات التمويل الدولية لمنع تقديم القروض والمساعدات لمشاريع التنمية على الأنهار الإثيوبية.

وعقب أحداث الربيع العربي وإطلاق مشروع سد النهضة، تحولت الاستراتيجية المصرية إلى حملات إعلامية ودبلوماسية علنية وسرية، وسعت إلى تدويل الملف وتسييسه عبر المنصات الدولية وجامعة الدول العربية، بالترويج لادعاءات مفادها أن السد يشكل تهديداً لأمنها المائي، وهو الطرح الذي أثبت الواقع عدم صحته دون أن تتراجع القاهرة عن تكراره.

ويستمر هذا النهج التاريخي حتى اليوم؛ إذ أعربت مصر مؤخراً عبر وزير خارجيتها عن تقديم مختلف أشكال الدعم لنظام أسمرة، الذي يستمر في التدخل في الشؤون الداخلية الإثيوبية والتحالف مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي غير القانونية وفصائل مسلحة أخرى في محاولات لزعزعة الاستقرار وعرقلة مسيرة التنمية.

وفي ملف المنافذ البحرية، كانت لإثيوبيا سيادة تاريخية على البحر الأحمر لقرون، قبل أن تفقد منفذها البحري في تسعينيات القرن الماضي جراء مؤامرات الفصائل الانفصالية والقوى الخارجية.

وقد طرحت الحكومة الإثيوبية قضية الوصول إلى البحر كأجندة وطنية رئيسية وحصلت على دعم من دول كبرى ومؤسسات دولية، حيث أكد رئيس الوزراء د.أبي أحمد مراراً أن المنفذ البحري يشكل قضية وجودية رئيسية لإثيوبيا.

وفي المقابل، تُبدي مصر معارضة شديدة لمطالب إثيوبيا التاريخية العادلة في الوصول إلى البحر الأحمر، معلنة رفضها لأي وجود إثيوبي في المنطقة البحرية.

وتتجلى سياسة ازدواجية المعايير المصرية في رفضها لتنمية إثيوبيا من نهر النيل الذي تسهم فيه بأكثر من 85% دون أي إسهام مائي مصري، وفي الوقت ذاته معارضتها لمطالب إثيوبيا العادلة في البحر الأحمر. وقد علّق الدبلوماسي الأمريكي الأسبق تيبور ناجي على ذلك بقوله: “إذا كانت مصر ترى أن اتخاذ القرارات بشأن البحر الأحمر يحق فقط للدول المطلة عليه، فإن حصر القرارات الخاصة بتبادل واستخدام مياه النيل يجب أن يقتصر كذلك على الدول المساهمة في مياهه”.

ورغم هذه الضغوط الداخلية والخارجية المتراكمة، تستمر إثيوبيا في مسيرتها التنموية؛ إذ إن إنجاز سد النهضة بالكامل وتوليد الطاقة اعتماداً على الإمكانات الذاتية يقدم دليلاً قاطعاً على هذا الصمود.

ودحضاً للادعاءات المصرية، اعتمدت إثيوبيا نهجاً علمياً في ملء وتشغيل السد دون إلحاق أذى يذكر بدول المصب، مفندة المزاعم غير البناءة ومؤكدة التزامها العملي بالتنمية المشتركة والاستخدام المنصف للمياه في المنطقة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.