من الطموح الوطني إلى البناء المؤسسي والحضارة المستدامة
135
إن تاريخ إثيوبيا العريق الحافل عبر العصور ليس مجرد سجلّ ممتد من جيل إلى جيل لبطولات الحرية والسيادة والاعتزاز الوطني فحسب، بل هو أيضاً قصة صمود ملهمة لإرادة شعبية تتجاوز التحديات والانكسارات لتحولها إلى دوافع ذاتية للنهوض والارتقاء.
وقد انطلقت معظم محطات التحول التاريخية في البلاد من استجابة لضغوط مرحلية وفجوات هيكلية مدفوعة برغبة شعبية عارمة في التطوير، غير أن المعيار الحقيقي للتحدي والنجاح في كل عصر لا يقاس بمدى وجود هذا الشغف الوطني فقط، بل بالنتائج الملموسة المحققة في ترجمة هذه التطلعات إلى منظومة عمل مؤسسية ودائمة.
فالطموح والشغف للتغيير يمثلان قوة دفع أولى ومحفزاً أساسياً للمجتمعات، لكنهما لا يشكلان غاية بحد ذاتهما، وتتجسد الفلسفة الأساسية لهذا المسار الانتقالي في رؤية قيادة دولة إثيوبيا، حيث أشار رئيس وزراء الدولة الدكتور آبي أحمد إلى أن الطموح والرغبة في التغيير يمثلان نقطة الانطلاق، لكنهما ليسا المقصد ولا الغاية، فالغاية الحقيقية هي بناء النظام، والمقصد النهائي هو تحقيق الحضارة، مؤكداً أن تحويل هذا الطموح إلى نظام مؤسسي يتطلب التفكير المتأني والحكمة.
وفي هذا الإطار، اتخذت حكومة “التآزر” خطوات جادة ومدروسة لتحويل هذه الإرادة الوطنية إلى واقع ملموس وهياكل تنظم مسيرة التطور، مستفيدة من العبر والدروس التاريخية لبناء مؤسسات راسخة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت إثيوبيا تأسيس وتطوير عدد من المؤسسات المحورية لترسيخ بنية الدولة وإرساء القواعد الرقمية والاقتصادية بشكل مستدام، حيث برزت “شركة إثيوبيا الاستثمارية القابضة” التي تعمل وفق رؤية جديدة لتعزيز القدرات الرأسمالية الوطنية، ونظام الهوية الرقمية الوطنية “فايدا” الذي يشكل الحجر الزاوية للتحول الرقمي، بالإضافة إلى شركة “إثيو تيليكوم” التي أحدثت نقلة نوعية في قطاع الاتصالات وعززت الشمول المالي عبر توسيع نطاق خدمات “تيلي بر”.
وإلى جانب ذلك، تبرز الإصلاحات الهيكلية الشاملة لسياسات الاقتصاد الكلي والمراحل الختامية لتوليد الطاقة من “سد النهضة الإثيوبي الكبير” كأدلة ناصعة على القوة المؤسسية وانتقال البلاد من حلول المعالجات المؤقتة إلى الاستقرار والتنمية المستدامة.
وكما يعلمنا التاريخ، فإن الشغف اللحظي قد يوقظ مشاعر المجتمع ويحدد اتجاهه الأول، لكن تحقيق نهضة مستدامة يتطلب صياغة قوانين وآليات عمل ونظم مؤسسية متكاملة، حيث إن التحول من المبادرات الفردية أو الاستجابات المؤقتة إلى الحوكمة المؤسسية هو جوهر عملية التنمية اليوم.
فالقرارات السياسية والهياكل التنظيمية التي تُبنى على مبادئ القانون والكفاءة والمصلحة الوطنية العليا هي الكفيلة بوضع الدولة على قواعد صلبة، ولتحقيق رؤية الازدهار الوطنية والإقليمية الطموحة الممتدة حتى عام 2050، يجب المضي قدماً في هذا المسار الذي يحول الإرادة الوطنية إلى أنظمة عمل تقود مباشرة إلى الحضارة.
إن المؤسسات الراسخة التي تُبنى وتُؤسس اليوم هي الحصن المنيع والقاعدة القوية التي ستصون الأجيال القادمة وتجنبها التقلبات، ومسار التغيير في إثيوبيا يستفيد من تجارب الماضي ليصنع اليوم واقعاً مؤسسياً متيناً، يفتح من خلاله آفاقاً جديدة لمستقبل واعد ومزدهر.