بين عبق التاريخ وآفاق التنمية الحديثة، تخطو مدينة غوندار مرحلة جديدة تعيد رسم ملامح مستقبلها السياحي والاقتصادي.
فبعد أن استعادت قصورها الملكية رونقها، وأضفت مشاريع تطوير الممرات الحضرية حيوية جديدة على شوارعها، يأتي سد «مغتش» ليضيف بُعداً آخر إلى مسيرة التحول، ويفتح أمام المدينة فرصاً واعدة تتجاوز حدود توفير المياه.
وتتجلى أهمية هذا الإنجاز في أنه يطوي صفحة طويلة من التعثر والمعاناة؛ إذ ظل المشروع متوقفاً لمدة 19 عاماً، بينما واجه السكان المحليون تحديات مستمرة بسبب شح المياه، وهو ما دفع رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد إلى وصف المشروع بأنه كان بمثابة «لعنة» طال أمدها، قبل أن يتحول إنجازه اليوم إلى مصدر للخير والبركة، وبداية لمرحلة تنموية جديدة.
غير أن الطموح لا يقف عند معالجة أزمة المياه، بل يمتد إلى استثمار المقومات الطبيعية المحيطة بالسد وتحويلها إلى وجهة سياحية متكاملة، وفي هذا الإطار، دعا رئيس الوزراء إلى إنشاء الفنادق والنُزل والمنتجعات البيئية في المنطقة، مستلهماً تجربة غورغورا السياحية، بما يمنح غوندر فرصة للتحول من مجرد محطة عبور للزوار إلى مقصد يجمع بين الاستجمام والطبيعة والإرث الحضاري.
ولترجمة هذه الرؤية إلى واقع ملموس، بدأت إدارة مدينة غوندر اتخاذ خطوات عملية لتهيئة المنطقة أمام الاستثمارات السياحية.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس فريق الحفاظ على التراث وتنمية السياحة بإدارة الثقافة والسياحة والرياضة في المدينة، أن قرب سد مغتش من غوندر يمثل ميزة استراتيجية تدعم فرص تطوير السياحة البيئية، وتفتح المجال أمام إقامة مرافق فندقية وترفيهية تسهم في جذب مزيد من الزوار وإطالة مدة إقامتهم.
وانطلاقاً من هذه الإمكانات، تتجه الجهود نحو إعداد البيئة المناسبة للاستثمار، بالاستناد إلى دراسات رسمية وبالتنسيق مع المجتمع المحلي، مع العمل على تشجيع المستثمرين لإقامة فنادق ومنتجعات متنوعة تستفيد من الموقع الطبيعي للسد، وتمنح المنطقة هوية سياحية جديدة.
ولا تقتصر المكاسب المنتظرة على القطاع السياحي وحده؛ إذ يحمل المشروع فرصاً لتعزيز التكامل بين الأنشطة الزراعية والخدمية. فمن المتوقع أن تسهم الفواكه والخضروات المنتجة باستخدام مياه قنوات الري في تزويد الفنادق والمنتجعات المستقبلية باحتياجاتها الغذائية، الأمر الذي يعزز الروابط الاقتصادية بين الريف والمدينة، ويوسع نطاق الاستفادة من المشروع ليشمل المجتمع المحلي.
وبهذا التكامل بين المياه والزراعة والسياحة والاستثمار، تتضح ملامح رؤية تنموية تجعل من سد مغتش أكثر من مجرد منشأة مائية اكتمل إنجازها بعد سنوات من الانتظار؛ فهو مشروع يحمل إمكانية تنشيط الاقتصاد المحلي، وتنويع التجربة السياحية، وتعزيز مكانة غوندار على خريطة الوجهات السياحية الإثيوبية.
وهكذا، وبين قصور ملكية تروي أمجاد الماضي، ومشاريع حديثة ترسم آفاق المستقبل، تفتح غوندر صفحة جديدة من حكايتها؛ مدينة تستعيد بريقها التاريخي، وتستثمر في جمال طبيعتها، لتصبح وجهة لا يكتفي الزائر بالمرور عبرها، بل يجد فيها ما يدعوه إلى البقاء والعودة من جديد.