إثيوبيا تعمل للوصول إلى مرحلة “المجتمع غير النقدي”
118
تشهد الابتكارات التكنولوجية في مجال المعاملات المالية الرقمية وتحويل الأموال تسارعاً كبيراً على المستوى العالمي، مما يسهم في تغيير البنى الاقتصادية والاجتماعية للدول.
وإدراكاً منها لهذه المتغيرات، حققت إثيوبيا نجاحاً كاملاً في استراتيجية “إثيوبيا الرقمية 2025″، وصاغت استراتيجية “إثيوبيا الرقمية 2030” ودخلت مرحلة التنفيذ الفعلي.
وعلى الصعيد القاري، لا يزال عدد الدول الأفريقية التي انتقلت بالكامل إلى المنظومة المالية الرقمية وحدّثت أنظمتها محدودة.
ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى عدد من التجارب النموذجية؛ حيث تمتلك كينيا خبرة واسعة في تعزيز الشمول المالي عبر نظام “إم-بيسا” (M-Pesa) لتحويل الأموال عبر الهاتف المحمول.
وتتحول نيجيريا إلى واحدة من أعلى الدول استقطاباً للاستثمار بفضل توسع مؤسسات القطاع الخاص والخدمات المصرفية الرقمية، بينما تحقق رواندا نتائج ملموسة عبر ربط الخدمات الحكومية بالمنصة الرقمية “إيريمبو” (Irembo) وتدعيم المدفوعات الرقمية.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه الأنظمة المالية الرقمية في معظم الدول الأفريقية في مراحلها الأولى، فإن التسارع وسعة السوق التي حققتها إثيوبيا يجعل من تجربتها نموذجاً بارزاً ومثيراً للاهتمام في القارة.
ويُعد النمو المالي الرقمي الذي شهدته إثيوبيا خلال فترة قصيرة دليلاً واضخاً على إنجازها السريع لرؤيتها الكبرى.
فهذا التحول لا يقتصر على تحديث القطاع المالي فحسب، بل يضع أساساً متيناً لضمان الازدهار الشامل عبر تقليل التعامل بالسيولة النقدية وتخليق الخدمات الحكومية رقمياً، وهو ما أحدث تغييراً كبيراً في ثقافة إدارة الأموال والمعاملات في إثيوبيا خلال السنوات القليلة الماضية.
إن العادة السابقة المتمثلة في التداول والتحرك بمبالغ نقدية كبيرة تتغير الآن بسرعة؛ حيث أصبحت وسائل الدفع الرقمية التي طورتها البنوك وشركات الاتصالات ومطورو التكنولوجيا المالية من القطاع الخاص جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للسكان.
وبات بإمكان المواطنين إجراء المعاملات في أي مكان وزمان عبر هواتفهم المحمولة، مما أسهم في الحد من إهدار الوقت والجهد والمال بشكل كبير، ويؤكد هذا النجاح أن إثيوبيا تسير بثقة نحو الوصول إلى مرحلة “المجتمع غير النقدي” (Cashless) التي بلغت الدول المتقدمة في هذا المجال.
وإلى جانب تحديث القطاع المالي، تعمل إثيوبيا على تحويل العديد من الخدمات الحكومية وأنظمة الدفع إلى الخيارات الرقمية.
ورغم أن سداد الضرائب، وفواتير المياه والكهرباء، واستخراج التراخيص والوثائق المختلفة عبر المنصات الرقمية يُعد أمراً متداولاً في الدول المتقدمة، إلا أن إثيوبيا تصبح في مقدمة الدول الأفريقية التي تطبق ذلك عملياً.
وتسهم الشفافية والمساءلة التي توفرها المدفوعات الرقمية بشكل كبير في الحد من التداول غير المشروع للأموال ومكافحة الفساد.
كما أدى الشمول المالي إلى إدماج شرائح المجتمع التي لم تكن تصل إلى الخدمات المصرفية سابقاً لا سيما المواطنين في المناطق الريفية داخل المنظومة المالية.
وبشكل عام، فإن النمو السريع الذي تسجله إثيوبيا في قطاع المالية الرقمية يعكس آفاقاً واعدة لمستقبل البلاد.
وإن قدرة إثيوبيا على رقمنة الخدمات الحكومية إلى جانب تحويل النظام المالي تجعل منها نموذجاً للتغيير على الساحة الأفريقية.