إثيوبيا و الصين تنطلقان معاً نحو مسار جديد للتصنيع في أفريقيا
63
تشهد إثيوبيا، الواقعة على هضبة شرق أفريقيا، تحولات تنموية عميقة تعكس ديناميكية متسارعة في مسار التحديث وإعادة الإعمار، إذ تنتشر المناطق الصناعية، وتتوسع خطوط إنتاج الأسمنت، ويشهد إنتاج الغاز الطبيعي المسال نمواً ملحوظاً، إلى جانب تسارع مشاريع الطاقة المتجددة مثل السدود الكهرومائية، ومزارع الرياح والطاقة الشمسية. كما تتواصل أعمال تطوير شبكات الطرق، فيما يشهد خط سكة حديد إثيوبيا–جيبوتي والمناطق الاقتصادية المرتبطة به نشاطاً متزايداً.
وفي هذا السياق، تؤكد الصين، بوصفها شريكاً استراتيجياً دائماً لإثيوبيا، التزامها بتطوير علاقاتها مع أفريقيا وفق مبادئ الصداقة الصادقة والتعاون العملي والمصالح المشتركة، وذلك في إطار منتدى التعاون الصيني–الأفريقي ومبادرة “الحزام والطريق”، وقد شمل التعاون بين الصين وإثيوبيا مجالات متعددة في التصنيع، من بينها تنسيق السياسات، وبناء القدرات، وتطوير البنية التحتية، واستكشاف فرص الصناعات الناشئة، دعماً لمسار التصنيع في إثيوبيا وأفريقيا.
سياسات تجارية تدعم النمو المشترك
أسهمت سياسة الإعفاء الجمركي التي تنتهجها الصين تجاه الدول الأفريقية، بما فيها إثيوبيا، في تعزيز التبادل التجاري وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي. وقد استفادت المنتجات الزراعية والغذائية الإثيوبية مثل الفاصوليا وفول الصويا والكسافا المجففة من دخول الأسواق الصينية، كما حظيت القهوة والسمسم الإثيوبيان بانتشار متزايد عبر منصات دولية مثل معرض الصين الدولي للاستيراد.
وفي المقابل، تستورد إثيوبيا من الصين مجموعة واسعة من السلع الوسيطة والرأسمالية، مثل الأسمدة ومكونات معدات الاتصالات وقطع غيار السيارات والمعدات الهندسية، ما يدعم خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية للصناعات المحلية.
تكامل استراتيجي في التصنيع والبنية التحتية
عززت الصين وإثيوبيا مواءمة استراتيجيات التنمية الصناعية في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والربط الإقليمي، وتم تحقيق نتائج ملموسة في قطاعات الصناعة والطاقة والمناطق الصناعية، إلى جانب دعم مشاريع كبرى مثل المناطق الصناعية الشرقية وخطوط إنتاج الأسمنت والغاز الطبيعي.
كما ساهم خط سكة حديد إثيوبيا–جيبوتي في تعزيز حركة التجارة، خصوصاً في نقل النفط والسيارات والبن والقهوة، مما عزز التكامل الاقتصادي مع الدول المجاورة. وتشارك الشركات الصينية أيضاً في مشاريع بنية تحتية كبرى، من بينها مطار بشفطو الدولي، في إطار تعاون متنامٍ بين البلدين.
تعاون في الصناعات الناشئة والاقتصاد الأخضر
تتجه الشراكة بين البلدين نحو مجالات جديدة تشمل الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الخضراء، حيث تعمل الصين على دعم إثيوبيا في بناء منظومة رقمية متكاملة تشمل الدفع الإلكتروني والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.
وفي قطاع الطاقة، تدعم الصين إثيوبيا في الاستفادة من مواردها المتجددة عبر توفير تقنيات ومعدات الطاقة النظيفة، من السكك الحديدية الكهربائية إلى المركبات الكهربائية، ومن محطات تحويل النفايات إلى طاقة إلى أنظمة الطاقة الشمسية اللامركزية. كما تسهم هذه الجهود في تعزيز قدرة إثيوبيا على مواجهة التغيرات المناخية، ودعم استعداداتها لاستضافة مؤتمر المناخ COP32.
المسؤولية الاجتماعية للشركات الصينية
تؤكد الصين التزام الشركات الصينية العاملة في الخارج بالمسؤولية الاجتماعية ودمجها في التنمية المحلية، بما يشمل تحسين ظروف العمل، وتعزيز العلاقات المجتمعية، ونقل المهارات والخبرات، ودعم مبادرات التنمية المستدامة.
كما سجلت الشركات الصينية في إثيوبيا تقدماً في مجالات السلامة المهنية، وحماية حقوق العمال، وتطبيق معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية، مع خطط لتنظيم منتديات لتعزيز هذا الدور.
آفاق مستقبلية للتعاون
في ظل التحديات العالمية المتزايدة، بما في ذلك تصاعد الحمائية والتوترات الجيوسياسية، تؤكد الصين استمرار دعمها لمسار التصنيع في إثيوبيا، وقد شهد “منتدى الاستثمار رفيع المستوى في إثيوبيا 2026” توقيع عدد من الاتفاقيات في مجالات الطاقة المتجددة والتصنيع الأخضر والصناعات الكيميائية.
وتعمل الصين على تعزيز التعاون مع إثيوبيا في مجالات التعليم الفني والتدريب المهني، ودعم اندماجها في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك دعم انضمامها المبكر إلى منظمة التجارة العالمية، بما يعزز قدرتها التنافسية على الساحة الدولية.
ويؤكد هذا التعاون المتنامي بين البلدين التزاماً مشتركاً بدفع مسار التحديث والتنمية الصناعية في أفريقيا، وتعزيز شراكة قائمة على المنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة.