الارتقاء الدبلوماسي لإثيوبيا.. من نجاحات بريكس إلى التأثير الاستراتيجي في البحر الأحمر
56
فتحت السياسة الخارجية المستقلة والمتعددة الأطراف التي تنتهجها إثيوبيا على الساحة الدولية مرحلة جديدة من النجاحات الدبلوماسية.
وباعتمادها على مبدأ المنفعة المتبادلة، مكن هذا الموقف إثيوبيا من إبراز الصوت الأفريقي بقوة في المحافل الاقتصادية والسياسية العالمية ضمن إطار تعاون “جنوب-جنوب”.
وباعتبارها المركز السياسي والدبلوماسي لشرق أفريقيا، تمضي إثيوبيا قدماً بخطى واثقة من خلال هذه الاستراتيجية الناجحة، متخذةً موقفاً يوازن بين الجيوسياسة العالمية ويضع المصالح الوطنية في المقدمة.
ولم تقتصر الجهود الدبلوماسية المرتكزة على المصالح الوطنية على تأمين عضوية إثيوبيا في مجموعة بريكس فحسب، بل جعلت منها صوتاً مؤثراً داخل المجموعة.
وقد أدت مشاركتها الفاعلة مؤخراً في قمة قادة بريكس الثامنة عشرة في نيودلهي إلى الارتقاء بقبولها الدولي إلى مستوى أعلى من التأثير الاستراتيجي.
ووفقاً للبيان الختامي للقمة، حظيت مفاوضات انضمام إثيوبيا إلى منظمة التجارة العالمية التي جرت على مدار سنوات واختتمت باجتماع فريق العمل السابع لها في أبريل 2026 بالدعم الكامل من الدول الأعضاء في بريكس.
وفي سياق متصل، فإن الدعم الكامل الذي قدمه الاتحاد الأفريقي ودول بريكس لحصول إثيوبيا على مقعد إضافي في منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، إلى جانب استضافتها ورئاستها لقمة المناخ العالمية (COP32) عام 2027، يعد تأكيداً عملياً على قدراتها الدبلوماسية.
أما في القطاع المالي، فإن تعزيز عضويتها في بنك التنمية الجديد (NDB) فتح الآفاق لتوفير مصادر تمويل بديلة لمشاريع البنية التحتية الكبرى.
كما أن المحادثات الجارية مع دول بريكس للتداول بالعملات المحلية تسهم في تخفيف الضغط على العملات الأجنبية وتعزيز تنافسية الصادرات.
وبالإضافة إلى هذه النجاحات السياسية والاقتصادية البارزة، يبرز التأثير الكبُير الذي أحدثته إثيوبيا في جيوسياسية البحر الأحمر محط اهتمام العالم.
وأوضحت إثيوبيا التي يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة وتملك أكبر اقتصاد في المنطقة في المحافل الدولية أن حصولها على منافذ بحرية ليس مجرد مطلب تاريخي فحسب، بل قضية وجودية واقتصادية وتنموية ملحة، وهو ما وجد أصداءً واستجابة واسعة.
وعلى الرغم من فقدان إثيوبيا لمنافذها البحرية بغير وجه حق عقب انفصال إريتريا عام 1993، إلا أن موقفها الثابت للوصول إلى حل لهذه القضية العادلة عبر المفاوضات السلمية القائمة على التنمية المشتركة حظي بقبول دولي واسع.
وبشكل خاص، أثبتت التحركات الذكية لمواجهة التحركات الجيوسياسية التي تسعى لإبعاد إثيوبيا عن أمن وإدارة البحر الأحمر نجاحها الفائق.
كما أظهرت مشاركتها الفاعلة في المناورات البحرية لمجموعة بريكس Will for Peace 2018 في جنوب أفريقيا للمجتمع الدولي أن السلام والتجارة في المنطقة لا يمكن تحقيقهما بمعزل عن دور إثيوبيا.
وتشكل هذه الإنجازات المتلاحقة قواعد متينة تمكن إثيوبيا من حماية مصالحها الاستراتيجية على نحو مستدام عبر الممرات التجارية في البحر الأحمر، وخليج عدن، والمحيط الهندي.
إن هذه السياسة الخارجية الاستراتيجية والمستقلة والشاملة لم تكرس إثيوبيا كقوة إقليمية مؤثرة فحسب، بل جعلت منها ركيزة دبلوماسية يُسمع صوتها على المستوى الدولي، وتدافع عن حقوقها ومصالحها بالطرق السلمية، وتمثل القارة الأفريقية بكل كفاءة واقتدار.