البحر الأحمر والنيل.. ازدواجية المعايير في إدارة القضايا الإقليمية
54
تتزايد التساؤلات في القرن الأفريقي حول المعايير التي تُستخدم لتحديد حقوق الدول في القضايا الاستراتيجية، بعد أن أكدت مصر وإريتريا أن إدارة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المطلة عليه، في موقف يعيد إلى الواجهة الجدل حول مفهوم “الحق الجغرافي” في القضايا الإقليمية.
فقد أعلنت القاهرة وأسمرة رفضهما أي ترتيبات تتعلق بالوصول البحري أو الأمن في البحر الأحمر من قبل أطراف غير ساحلية، معتبرتين أن الدول المشاطئة للبحر الأحمر هي صاحبة المسؤولية الأساسية في تقرير شؤونه.
إلا أن هذا الطرح يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية بشأن مدى اتساق هذا المبدأ عند التعامل مع ملفات أخرى ذات طبيعة مشتركة، وفي مقدمتها مياه نهر النيل، الذي يشكل شرياناً حيوياً لملايين السكان في دول الحوض.
فإذا كان القرب الجغرافي هو المعيار الأساسي لتحديد أصحاب الحق في إدارة الموارد الاستراتيجية، فإن الدول التي تنبع منها مياه النيل وتساهم في تدفقه تمتلك، وفق هذا المنطق، حقاً أصيلاً في المشاركة في تحديد مستقبل هذا المورد المشترك.
وتؤكد إثيوبيا أن موارد النيل ليست ملكاً حصرياً لأي دولة، وأن الاستخدام العادل والمنصف للمياه يمثل الأساس الحقيقي للتعاون بين دول الحوض، بعيداً عن ترتيبات تاريخية لا تعكس الواقع الحالي ولا مصالح الشعوب المتطلعة إلى التنمية.
ويرى مراقبون أن البحر الأحمر والنيل يمثلان نموذجين لقضايا إقليمية مترابطة، حيث لا يمكن فصل الأمن والتنمية والاستقرار عن مشاركة جميع الدول ذات المصالح المباشرة، سواء كانت دولاً ساحلية أو دولاً تشترك في الموارد الطبيعية العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، قال السفير الأمريكي السابق للشؤون الأفريقية تيبور ناجي:
“إذا كانت مصر وإريتريا تؤكدان أن الدول المطلة على البحر الأحمر وحدها هي صاحبة الحق في تقرير شؤونه، فمن المنطقي إذن أن تكون الدول التي ترفد نهر النيل بالمياه وحدها هي صاحبة القرار في كيفية استخدام مياهه.”
ويعكس هذا التصريح الحاجة إلى تطبيق مبادئ السيادة والتعاون الإقليمي بصورة متوازنة، بحيث لا تُستخدم الجغرافيا كأداة لمنح امتيازات لطرف على حساب حقوق أطراف أخرى، بل كمدخل لتعزيز الشراكة والاستقرار بين دول المنطقة.