السياسة المصرية المتخبطة على أمواج النيل.. “دبلوماسية” السيسي أم التفاف على الحقائق؟
72
يجمع المحللون السياسيون وخبراء العلاقات الدولية على أن الوسيلة الأسهل لأي قيادة سياسية عند اشتداد الأزمات الاقتصادية والسياسية الداخلية هي خلق عدو خارجي أو افتعال تصعيد إعلامي حول قضايا قائمة لتشتيت انتباه الشارع.
ولا يبتعد الخطاب الأخير للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في العاصمة الإدارية الجديدة عن هذا السيناريو المكرر؛ إذ تواصل القاهرة استخدام ملف سد النهضة كمخرج سياسي للتغطية على المأزق الداخلي والمصاعب الاقتصادية التي تواجهها، في حين تظل المبادئ الإثيوبية الراسخة والمتمثلة في صون الحقوق الوطنية والاستخدام المنصف والمعقول للمياه ثابتة لا تتزعزع.
وقد استعرض الرئيس المصري في كلمته الأخيرة الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التوترات الإقليمية، مشيراً إلى فقدان قناة السويس لنحو 20 مليار دولار، إلى جانب الآثار الناجمة عن جائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية وحرب غزة.
غير أنه سعى لربط بداية مشروع سد النهضة بالأحداث الداخلية التي شهدتها مصر بين عامي 2011 و2013، في محاولة مكشوفة لإلقاء اللوم على العوامل الخارجية وتصدير الأزمة الداخلية؛ وهو كرت سياسي تقليدي تلجأ إليه السلطات المصرية كلما تزايدت الضغوط الاقتصادية على المواطنين.
وفي الوقت الذي تتغنى فيه وسائل الإعلام والمسؤولون المصريون بتفضيل الحلول الدبلوماسية والسلمية لقضية النيل، فإن هذا الطرح يتناقض مع الواقع الميداني والتاريخي، حيث تُظهر الممارسات استمرار التمسك بمنطق الاتفاقيات الاستعمارية غير العادلة ومحاولة تقييد حقوق دول الحوض الأخرى.
إن محاولة الظهور بمظهر الداعي للسلام أمام المحافل الدولية مع الرفض الميداني للاعتراف بالحقوق المشروعة لإثيوبيا تُجرد مفهوم الدبلوماسية من مضمونه وتحوله إلى أداة لفرض الرغبات الأحادية.
ومهما تنوعت المشاهد السياسية المصرية للتغطية على الأزمات الداخلية، ينبغي التذكير بأن الموقف الإثيوبي ظل دائماً واضحاً ومبدئياً؛ فحق الاستفادة من الموارد الطبيعية هو حق سيادي لا يستجدى من أي طرف.
وقد أثبتت أديس أبابا عبر كافة مراحل بناء وملء سد النهضة التزامها بالمعايير الدولية للاستخدام المنصف دون إلحاق أي ضرر يذكر بدول المصب، منطلقة من رؤية أفريقية ساطعة تهدف لنشر النماء والطاقة في الإقليم.
لقد أكملت إثيوبيا حكومة وشعباً مسارها التنموي بنجاح، مكرسة مبدأ الاستفادة العادلة على نهر النيل الأزرق. وإن محاولات تصدير الأزمات والتذرع بالمتغيرات التاريخية لن تتمكن من الحد من ممارسة إثيوبيا لحقوقها السيادية المشروعة في استغلال مواردها من أجل تنمية شعبها.