Fana: At a Speed of Life!

القانون والتكامل.. طريق إثيوبيا إلى المنفذ البحري والتنمية الإقليمية

في قراءة تحليليّة تُسقِط البُعد السياسي المحض لصالح المنافع الملموسة ، استعرض الخبير والأكاديمي د. سعد سلامة، خلال استضافته في بودكاست فانا عربي، الملفين الأكثر حيوية في الاستراتيجية الإثيوبية الراهنة: حق الوصول إلى البحر ومشروع سد النهضة، موضحاً أن معالجة هاتين القضيتين المحوريتين تتطلب العودة إلى مرتكزات القانون الدولي والدفع بنموذج التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي يخدم جميع أطراف المنطقة.

واستهل الدكتور سلامة تحليله بتفكيك البنية القانونية المعمول بها دولياً، مشيراً إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وضعت أطراً واضحة تُنظم حقوق وتعهّدات الدول الساحلية وغير الساحلية جغرافياً، والتي يتجاوز عددها 40 دولة حول العالم من بينها إثيوبيا.

وأكد أن وجود هذه المرجعيات التشريعية يمنح القضايا الخلافية مساراً للحل عبر اتفاقيات وتفاهمات ثنائية وجماعية تُراعي المصلحة المشتركة، مبيناً أن تعقيد هذه الملفات ينجم غالباً عن شحنها بالتفسيرات السياسية، بينما توفر الحلول القانونية والتشغيلية مخرجاً مستداماً يضمن استقرار المنطقة.

وفي سياق متصل، سلط الدكتور سلامة الضوء على العوامل التاريخية والاحتياجات الجغرافية التي تجعل مسألة الوصول إلى البحر ضرورة ملحة، مؤكداً أن العلاقة التاريخية لإثيوبيا بالبحر الأحمر تعود إلى أزمنة بعيدة وإثيوبيا ليست بغريبة عن البحر، بل إن الجغرافيا تؤكد قربها الشديد من السواحل البحرية إذ لا تفصلها عنها في بعض النقاط سوى مسافات ضئيلة تقدر بنحو 60 كيلومتراً، وهو ما يجعلها -بحسب وصفه- “تشم رائحة البحر” وتتأثر بما يطرأ عليه مباشرة.

وأوضح الخبير الأكاديمي أن هذا الوضع الجغرافي الفريد، إلى جانب مقومات إثيوبيا التاريخية ودورها كدولة محورية في القرن الأفريقي، يعزز من المبررات القانونية والاقتصادية الداعية لتمكينها من الوصول إلى البحر الأحمر وفقاً للمواثيق والقوانين الدولية التي تكفل للدول غير الساحلية هذا الحق.

وبيّن سلامة أن الطلب الإثيوبي للحصول على منفذ بحري ينبع من معادلة اقتصادية بحتة؛ فالنمو المتسارع للقطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعة والزراعة والتجارة الخارجية، يفرض على البلاد تأمين شبكات لوجستية وموانئ حديثة تضمن تدفق الصادرات والواردات نحو الأسواق الإقليمية والدولية.

وأوضح أن هذا الاحتياج يمكن ترجمته عبر صيغ قانونية واضحة، كإبرام عقود طويلة الأمد واستثمارات مشتركة في إدارة الموانئ والبنى التحتية، وهو ما تفسره المباحثات والخيارات المتعددة التي ناقشتها إثيوبيا مع دول الجوار مثل إريتريا، والصومال، والسودان، وكينيا.

ويرى سلامة أن مفهوم التكامل الاقتصادي يُشكل المحرك الأساسي للرؤية الإثيوبية في هذا الصدد؛ إذ إن المبادرات المدعومة بأطر إقليمية ودور فاعل للاتحاد الأفريقي توفر ضمانات متينة تجعل من المنافذ البحرية نقاط تلاقٍ ومصالح متبادلة، بدلاً من كونها نقاط نزاع.

وانتقالاً إلى ملف سد النهضة أوضح الدكتور سلامة أن الاختزال السياسي للمشروع يحجب أبعاده القانونية والتنموية الحقيقية؛ فالقوانين الدولية تُقر صراحة بحق دول المنبع في الاستغلال المنصف والمعقول لمواردها المائية لتنمية مجتمعاتها، مع التزامها المبدئي بعدم إلحاق ضرر جسيم بدول الحوض الأخرى.

وأضاف أن القيمة الاستراتيجية للسد لا تقف عند حدود إنتاج الطاقة الكهرومائية لإثيوبيا فحسب، بل تمتد لتغطي احتياجات الإقليم عبر توفير طاقة نظيفة ومنخفضة التكلفة تدعم قطاعات الصناعة والزراعة والبنية التحتية في الدول المجاورة.

واختتم الدكتور سعد سلامة قراءته بالتشديد على أن المنفذ البحري وسد النهضة يمثلان ركنين أساسيين ضمن رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى تحقيق الازدهار والتكامل في القرن الأفريقي، مؤكداً أن الاستناد إلى الضمانات القانونية والاتفاقيات طويلة الأمد هو الطريق الأنجع لبناء شراكات إقليمية متينة تضمن مصالح شعوب المنطقة كافة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.