يشكل القطاع الزراعي العمود الفقري للاقتصاد الإثيوبي، إذ يسهم بما يتراوح بين 35 و40% من إجمالي الناتج المحلي، ويضم أبرز السلع التصديرية للبلاد، وفي مقدمتها القهوة والبذور الزيتية والخضروات والفواكه والزهور.
وبين هذه المنتجات، تظل القهوة السلعة الأبرز، ليس فقط باعتبارها أكبر مصدر للعملات الأجنبية، وإنما أيضًا بوصفها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والاجتماعية لإثيوبيا.
ولا تقتصر مكانة القهوة في إثيوبيا على كونها محصولًا زراعيًا أو مشروبًا يوميًا، بل تمثل إرثًا تاريخيًا وثقافيًا يعكس هوية المجتمع، فمراسم إعداد القهوة وتقديمها تعد من أهم مظاهر الضيافة، كما تشكل مناسبة لتعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية، وتبادل الأحاديث، وتقوية أواصر المحبة بين أفراد المجتمع.
ولهذا السبب، يحرص معظم الزوار الأجانب الذين يقصدون إثيوبيا، سواء للسياحة أو للأعمال، على تجربة طقوس القهوة الإثيوبية، التي تجمع بين جودة البن العربي الشهير وأسلوب التحضير والتقديم التقليدي، وهو ما يمنحهم تجربة ثقافية متكاملة تتجاوز مجرد تذوق المشروب.
وفي الجانب الاقتصادي، حققت القهوة الإثيوبية إنجازًا غير مسبوق خلال السنة المالية الإثيوبية 2018، بعدما سجلت صادراتها عائدات بلغت 3.1 مليار دولار، وفق وزارة الزراعة، وهو أعلى رقم تحققه البلاد في تاريخ صادرات القهوة، ما يعكس النمو المتواصل لهذا القطاع الحيوي.
ويعزى هذا الإنجاز إلى سلسلة من الجهود المتكاملة، بدءًا من التوسع في إنتاج البن وتحسين جودته، مرورًا بعمليات المعالجة والتجهيز، وانتهاءً بتسويقه في الأسواق العالمية، إلى جانب النتائج التي حققها برنامج البصمة الخضراء، الذي أولى اهتمامًا كبيرًا بزراعة شتلات القهوة وتوسيع المساحات المزروعة بها.
وفي إطار هذا البرنامج، توسعت إثيوبيا في إنتاج وتوزيع مليارات الشتلات المحسنة، التي تتميز بقدرتها على مقاومة الأمراض وارتفاع إنتاجيتها وجودتها، كما تعمل مراكز البحوث الزراعية على تطوير أصناف جديدة تمنح إنتاجًا أكبر للهكتار الواحد، بما يسهم في زيادة الإنتاج ورفع عائدات التصدير.
ويأتي هذا الأداء في وقت يواصل فيه الاقتصاد الإثيوبي تنفيذ إصلاحات هيكلية واقتصادية واسعة، بهدف تعزيز النمو، وزيادة الإنتاج، ورفع القدرة التنافسية للصادرات في الأسواق العالمية.
وانطلاقًا من النجاحات التي تحققت خلال العام الماضي، وضعت الحكومة الإثيوبية هدفًا أكثر طموحًا للسنة المالية 2019، يتمثل في تصدير 550 ألف طن من القهوة وتحقيق عائدات تبلغ 4 مليارات دولار، وهو هدف يتطلب مواصلة تطوير سلسلة إنتاج القهوة، وتعزيز جهود المزارعين والقطاعين العام والخاص للحفاظ على مكانة البن الإثيوبي في الأسواق الدولية.
وبفضل مكانتها التاريخية وجودتها العالية، لا تزال القهوة الإثيوبية تمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني، ورمزًا ثقافيًا يعكس هوية البلاد، إلى جانب كونها مصدرًا رئيسيًا لمليارات الدولارات التي تدعم مسيرة التنمية الاقتصادية في إثيوبيا.