يُعد امتلاك قوة بحرية قوية أحد المقومات الأساسية لقوة الدول، وهو مفهوم ارتبط بشكل كبير بالباحث الاستراتيجي الأمريكي ألفريد ثاير ماهان، الذي أكد أن السيطرة على البحار تمنح الدول نفوذًا واسعًا في العالم، حتى لُقّب بأحد أبرز منظّري الاستراتيجية البحرية الأمريكية.
ورغم مرور أكثر من قرن على هذه الرؤية، فإن التجارب الدولية أثبتت استمرار أهمية القوة البحرية والممرات البحرية الاستراتيجية، خاصة منطقة البحر الأحمر التي ظلت لقرون طويلة محورًا للتنافس بين القوى الكبرى، باعتبارها حلقة وصل حيوية بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.
ومن هذا المنطلق، فإن مطالبة إثيوبيا باستعادة منفذ بحري ليست مجرد قضية عاطفية، بل ترتبط بشكل مباشر بمصالحها الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، وبقدرتها على تعزيز التجارة والتنافسية الإقليمية.
ويُعد الوصول إلى البحر عاملًا مهمًا في دعم الأمن القومي، إذ إن الاعتماد الكامل على موانئ الدول الأخرى قد يجعل سلاسل الإمداد والقدرات اللوجستية عرضة للتأثر في أوقات الأزمات.
كما أن انقطاع طرق التجارة قد يعرقل وصول المعدات الدفاعية والطاقة والمواد الحيوية في الوقت المناسب.
وبالنظر إلى عدد سكان إثيوبيا الذي يتجاوز 130 مليون نسمة، فإن فقدانها لمنفذ بحري لعقود طويلة حرمها من العديد من المزايا الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بالموقع البحري.
وتؤكد إثيوبيا أن قضية المنفذ البحري تمثل أحد الملفات الوطنية ذات الأولوية، وتسعى إلى تعزيز حضورها الإقليمي والدولي من أجل تحقيق هذا الهدف عبر المسارات الدبلوماسية والتعاون الإقليمي.
ويرى رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد أن قضية استعادة المنفذ البحري، التي تمثل مطلبًا تاريخيًا للإثيوبيين، ليست مسألة يمكن حلها بين ليلة وضحاها، مشيرًا إلى أن تجربة سد النهضة تمثل مثالًا على قدرة البلاد على تحقيق المشاريع الوطنية الكبرى عندما تتوحد حول أهدافها.
وبعد اكتمال مشروع سد النهضة، الذي وصفته إثيوبيا بأنه إنجاز تاريخي، ترى أديس أبابا أن ملف المنفذ البحري يمثل تحديًا وطنيًا جديدًا يتطلب توافقًا داخليًا ورؤية طويلة الأمد.
وتؤكد إثيوبيا أن حصولها على منفذ بحري لن يخدم مصالحها فقط، بل سيعزز أيضًا دورها في دعم السلام والأمن في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، باعتبارها دولة ذات ثقل إقليمي.
كما ترى أن وجود دولة قوية وفاعلة في منطقة البحر الأحمر يمكن أن يسهم في تعزيز أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم، التي تمر عبرها خطوط التجارة والطاقة الدولية.
وبالنسبة لإثيوبيا، فإن المنفذ البحري لا يمثل مجرد ميناء، بل يُنظر إليه باعتباره بوابة استراتيجية للسلام والتجارة والتواصل مع منطقة البحر الأحمر الحيوية.