لماذا تُحرم إثيوبيا من ميناء بحري في حين أن عالمنا محاط بالماء الذي يشكل 71% من سطحه؟ وفي عالم يزخر بالمياه، لماذا تُحرم إثيوبيا من منفذ بحري؟
ولماذا تبقى إثيوبيا محصورة جغرافياً، غير قادرة على الوصول إلى المنفذالبحري، رغم قربها من ميناء عصب المطل على البحر الأحمر؟
تعاني إثيوبيا من مشكلة الميناء البحري منذ أكثر من 30 عاماً، وهي قضية ترتبط بالمصلحة الوطنية والأمن القومي والبقاء.
ويسهم الميناء البحري في الحد من التهديدات الأمنية ونقاط الضعف المرتبطة بالبحر.
وفي الوقت الراهن، تنخرط قوى إقليمية ودولية عديدة في منطقة البحر الأحمر في صراع نفوذ يهدف إلى حماية مصالحها الجيوسياسية.
وفي حال تعرضت إثيوبيا لتهديدات قادمة من البحر الأحمر، كيف يمكنها الدفاع عن نفسها وهي لا تمتلك منفذاً بحرياً؟
ويبذل العالم جهوداً من أجل تحقيق العدالة في استخدام الموانئ البحرية.
ويكمن أحد الحلول القانونية لهذه القضية في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تنظم استخدام البحار والممرات البحرية، والتي فُتح باب التوقيع عليها عام 1982، ودخلت حيز التنفيذ عام 1994، وكانت إثيوبيا قد وقعت على الاتفاقية عام 1984.
ورغم التزام إثيوبيا بالاتفاقية، فإن 15 دولة، من بينها إريتريا والولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وسوريا، لم توقّع عليها، لكنها تستفيد من أحكامها المتعلقة باستخدام البحار.
ورغم أن القانون الدولي يمنح الدول حق استخدام البحار، فإن حق الدول غير الساحلية في استخدام الموانئ والملاحة البحرية يظل مقيداً بالجغرافيا.
ونتيجة لذلك، تضطر هذه الدول إلى استخدام موانئ الدول المجاورة، الأمر الذي يجعلها عرضة لضغوط سياسية ومصالح متشابكة، ويشكل تهديداً مباشراً أو غير مباشر لأمنها القومي.
وقد طرحت إثيوبيا هذه القضية على الساحة الدولية عبر رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد، الذي وصفها بأنها قضية “عدالة”.
وأصبحت القضية اليوم قضية دولية ترتبط بالاستخدام العادل والملكية، إلى جانب أبعادها القانونية والدبلوماسية.
كما حظي حق إثيوبيا في الوصول إلى منفذ بحري بقبول متزايد في الأوساط القانونية والدبلوماسية الدولية.
وبصفتها دولة غير ساحلية، تعتمد إثيوبيا على موانئ الدول المجاورة، وهو ما يفرض ضغوطاً كبيرة على صادراتها ووارداتها وأسعار السلع داخل البلاد.
ويُعد الميناء البحري بنية تحتية حيوية للنقل والتجارة، إذ يلعب دوراً أساسياً في تحديد قوة الاقتصاد والتجارة الخارجية، فضلاً عن توفير فرص عمل واسعة في مجالات الموانئ والجمارك والخدمات اللوجستية.
وتستخدم إثيوبيا حالياً موانئ بديلة، حيث يستحوذ ميناء جيبوتي على أكثر من 90% من حركة الصادرات والواردات الإثيوبية.
كما يُعد ميناء بربرة في أرض الصومال خياراً آخر، إلى جانب ميناءي تاجورة وعصب اللذين يُطرحان ضمن الخيارات الأخرى.
وفي السابق، كانت أكثر من 90% من تجارة إثيوبيا تمر عبر ميناء عصب، بينما كان ميناء مصوع يستوعب ما بين 30 إلى 40% من الحركة التجارية.
ولا تستطيع الدول غير الساحلية الاستفادة بصورة متساوية من النظام التجاري العالمي، رغم أهمية دورها في تسريع النمو الاقتصادي.
ويقول بعض الباحثين: “إذا كانت الدولة غير الساحلية قادرة على الوصول الحر إلى البحر فإنها تخدم العالم، أما إذا حُرمت من ذلك فإنها تصبح رهينة للدول المجاورة”.
ويؤكد هؤلاء أهمية الوصول البحري في دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز الأمن القومي.
كما أن وضع الدولة غير الساحلية يحدد مستوى تفاعلها مع العالم الخارجي.
ويُقدّر عدد الدول غير الساحلية في العالم بنحو 45 دولة، أي ما يعادل 20% من دول العالم، و40% من الدول النامية.
ولا تبذل الدول غير الساحلية الجهد نفسه الذي تبذله الدول الساحلية لتحقيق النمو والازدهار، بسبب القيود الجغرافية.
وهناك 32 دولة نامية غير ساحلية في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية، ويبلغ عدد سكانها نحو 500 مليون نسمة.
ويمثل هذا العدد نحو 7% من سكان العالم، بينها 16 دولة أفريقية، تُعد إثيوبيا أكبرها من حيث عدد السكان.
وبسبب وضعها الجغرافي، لم تتجاوز مساهمة هذه الدول في التجارة العالمية واحداً بالمئة، ما يعكس تأثير الجغرافيا على مستقبل الدول.
كما يُلاحظ أن الدول غير الساحلية تعاني من ضعف ارتباطها بالسوق العالمية نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والعوائق التجارية الأخرى.
وبسبب ذلك، تواجه هذه الدول تحديات مرتبطة بالنظام المالي العالمي وارتفاع أعباء الديون.
ولا تزال قضية الميناء الإثيوبي مطروحة للنقاش عبر القنوات الدبلوماسية الدولية.
إذن، هل يعني ذلك أن إثيوبيا لا تمتلك حقاً تاريخياً وقانونياً في الحصول على ميناء بحري؟