امتلاك إثيوبيا لمنفذ بحري.. أمانة على عاتق هذا الجيل
61
لم يكن البحر الأحمر بالنسبة لإثيوبيا مجرد مسطح مائي أو شريط حدودي، بل كان عبر آلاف السنين تجسيداً للتجارة والحضارة والدين والثقافة، وشرياناً حيوياً أتاح لها التفاعل والارتباط بشتى دول العالم.
وتُعد مدينة أدوليس البحرية التاريخية التي أرست فيها حضارة أكسوم دعائمها شاهداً بارزاً على هذا الترابط الشامل الممتد من شبه الجزيرة العربية إلى البحر الأبيض المتوسط، ومن المحيط الهندي إلى السواحل الأفريقية؛ مما يعكس الأهمية التاريخية لإثيوبيا كمركز تجاري وبحري رائد.
وبعد فقدان إثيوبيا مينائي مصوع وعصب واستبعادها من جيوسياسية البحر الأحمر لعقود، تعرضت البلاد التي كانت رائدة الحضارة والترانزيت ومحور الدبلوماسية في المنطقة لمخططات أدت إلى حرمانها من حقوقها التاريخية.
ومن هذا المنطلق، لا يُعد الارتباط الإثيوبي بالبحر الأحمر مجرد قضية سياسية عابرة، بل مسألة وجودية تربط الحاضر بالماضي الحضاري والتجاري للبلاد.
إن فقدان المنافذ البحرية، في ظل وجود أكثر من 130 مليون نسمة واقتصاد يحقق نمواً سريعاً، فرض قيوداً على الحركة اللوجستية وعرقل حركة التجارة الاستيرادية والتصديرية وتدفق الاستثمارات.
ووفقاً لبيانات البنك الدولي، فإن أكثر من 95% من عمليات التجارة الإثيوبية تعتمد بشكل كلي على ممر أديس أبابا – جيبوتي، في وقت بات فيه أمن البحر الأحمر قضية محورية لسلام واستقرار منطقة شرق أفريقيا برمتها.
إن مطلب إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يُعد حقاً عادلاً يهدف إلى تحقيق المصالح المشتركة وتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني وتأمين الاستقرار الإقليمي.
وكما يجسد سد النهضة رغبة البلاد الصادقة في ربط دول الجوار بالطاقة والتنمية المشتركة، فإن إنهاء حالة الإقصاء الجيوسياسي لإثيوبيا عن البحر الأحمر أصبح ضرورة ملحة في هذا العصر، وهو ما يترجمه التحول الحالي للمطالب الإثيوبية نحو مراحل التنفيذ في المحافل الدبلوماسية الدولية.
وكان رئيس الوزراء، د.أبي أحمد، قد أوضح في كلمة أمام مجلس النواب أن إنكار حق إثيوبيا في الوصول إلى البحر ينافي القوانين الطبيعية، مشدداً على أنه لا يمكن فصل إثيوبيا عن البحر الأحمر.
كما سلط الضوءخلال مشاركته في قمة قادة بريكس الثامنة عشرة في نيودلهي، التي عُقدت تحت شعار “تعزيز الصمود والابتكار والتعاون المستدام”على الأهمية الاستراتيجية لهذا الملف باعتباره أولوية اقتصادية قصوى وصوتاً يعبر عن تطلعات أفريقيا في المحافل الدولية.
من جانبه، أكد الوزير ومسؤول مكتب التنسيق الحكومي بمجلس النواب، الدكتور تسفاي بلجيجي، أن الشعب الإثيوبي لن يتنازل عن مصالحه الوطنية الممتدة نتيجة أخطاء تاريخية، مشيراً إلى التوافق والتضامن الشعبي الكبيرين اللذين حظي بهما هذا المطلب.
كما صرّح نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية والسلام بمجلس النواب، الدكتور فتحي مهدي، بأن المطلب الإثيوبي يستند إلى أطر تاريخية وجغرافية وقانونية تهدف إلى تعزيز التنمية وتسهيل التجارة، لافتاً إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تدعم حقوق الدول الحبيسة في الوصول إلى البحار والاستفادة منها.
وفي السياق ذاته، أوضح الدكتور غاشاو أيفرام، الباحث رفيع المستوى في “معهد الشؤون الخارجية”، أن امتلاك منفذ بحري يعيد تصحيح المسار التاريخي ويكفل إدماج الاقتصاد الإثيوبي في منظومة التكامل الإقليمي والقاري، مشيراً إلى أن هذا المطلب يحظى بتفهم وقبول متزايدين لدى الدول والمؤسسات والوسائل الإعلامية الدولية.