امتلاك إثيوبيا منفذًا بحريًا.. قضية مرتبطة بالتاريخ والتنمية
65
إن تاريخ إثيوبيا والبحر الأحمر يمثل تاريخًا مترابطًا لا يمكن فصله عن مسيرة بقاء الدولة وتطورها، فقد كان هذا البحر في العصور القديمة مصدرًا للحضارة والازدهار، ولا يزال اليوم عنصرًا مهمًا للنمو الاقتصادي لإثيوبيا وتعزيز دورها الإقليمي.
ويُظهر التاريخ أن أمن إثيوبيا وتنميتها ارتبطا دائمًا بالسلام والاستقرار في منطقة البحر الأحمر.
ميناء عصب.. بوابة إثيوبيا الاقتصادية والاستراتيجية
ظل ميناء عصب لعقود طويلة المنفذ الاقتصادي والاستراتيجي الرئيسي لإثيوبيا، حيث شهد خلال عهدي الإمبراطور هيلا سيلاسي وحكومة الدِرغ استثمارات اقتصادية كبيرة.
فقد تم إنشاء مصفاة نفط ضخمة، ومد طريق للشاحنات يربط الميناء بالعاصمة أديس أبابا، إلى جانب تأسيس مؤسسات قوية للنقل البحري والأسطول التجاري والبحري.
وكان ميناء عصب يمثل البوابة الرئيسية لحركة الواردات والصادرات الإثيوبية.
إلا أن التطورات السياسية التي شهدها القرن العشرين أدت إلى انفصال إثيوبيا عن هذا المنفذ الحيوي، وتحولها إلى دولة غير ساحلية.
فقدان المنفذ البحري والتحولات السياسية
بدأت عملية ابتعاد إثيوبيا عن ميناء عصب عام 1991، عندما سيطرت قوى الجبهة الثورية الديمقراطية للشعب الإثيوبي (EPRDF) وجبهة تحرير شعب تيغراي على أديس أبابا، في حين سيطرت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا على أسمرا وميناء عصب.
وخلال السنوات التي سبقت استقلال إريتريا رسميًا وبعده، تم التوصل إلى اتفاق يسمح لإثيوبيا باستخدام ميناء عصب كمنفذ بحري، حيث كانت تستخدم الميناء دون رسوم جمركية.
لكن الخلافات التي ظهرت لاحقًا بين البلدين، بما في ذلك قضايا التجارة الحدودية، والعملة المستخدمة في التبادل التجاري، وتصاعد التوترات السياسية، أدت إلى تفاقم العلاقات.
وفي مايو 1998 تحول التوتر بين البلدين إلى حرب حدودية مفتوحة، لتبدأ مرحلة جديدة أنهت بشكل كامل استخدام إثيوبيا لميناء عصب.
التحول إلى ميناء جيبوتي
مع اندلاع الحرب، توقفت خطوط التجارة والنفط التي كانت تمر عبر ميناء عصب، واضطرت إثيوبيا إلى تحويل كامل تجارتها الخارجية إلى ميناء جيبوتي.
كما أدى خروج إثيوبيا من الميناء إلى تراجع اقتصادي كبير في مدينة عصب نفسها، التي فقدت جزءًا كبيرًا من النشاط التجاري الذي كانت تعتمد عليه.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، تسبب فقدان إثيوبيا لمنفذها البحري في ضغوط اقتصادية وجيوسياسية كبيرة، حيث أصبحت تعتمد بشكل أساسي على ميناء جيبوتي، وتدفع تكاليف كبيرة مقابل خدمات الموانئ.
ويرى الخبراء أن اعتماد دولة يبلغ عدد سكانها أكثر من 130 مليون نسمة على ميناء واحد يمثل تحديًا أمام قدرتها الاقتصادية وأمنها الوطني، خصوصًا أنها تقع بالقرب من البحر الأحمر.
اتفاق السلام ومحاولات استعادة التعاون
في عام 2018، وبعد مبادرة السلام بين إثيوبيا وإريتريا، تم توقيع اتفاق أنهى حالة العداء بين البلدين، وبدأت جهود لإعادة بناء الطرق وتعزيز التعاون المشترك.
غير أن ميناء عصب لم يُفتح مجددًا أمام التجارة الإثيوبية بسبب استمرار التحديات الإقليمية والسياسية.
البحث عن منفذ بحري
تواصل إثيوبيا جهودها الدبلوماسية لمعالجة تحدي فقدان المنفذ البحري، انطلاقًا من أهمية الوصول إلى البحر الأحمر بالنسبة للتنمية الاقتصادية والأمن الوطني.
ويُنظر إلى امتلاك منفذ بحري أو ضمان وصول مستقر إلى الموانئ باعتباره عنصرًا أساسيًا لدعم النمو الاقتصادي، وتقليل تكاليف التجارة، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الإثيوبي.
وفي ظل التحولات الاقتصادية والإقليمية المتسارعة، تظل قضية الوصول إلى البحر الأحمر من الملفات الاستراتيجية التي ترتبط بمستقبل إثيوبيا الاقتصادي ومكانتها في منطقة القرن الأفريقي.