بلدان يرتشفان من نبع واحد.. التكامل الإثيوبي الجيبوتي نموذجاً للشراكة الاستراتيجية
38
أجرى رئيس الوزراء الإثيوبي، د.أبي أحمد، زيارة عمل رسمية إلى جمهورية جيبوتي، دشن خلالها برفقة الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله مشروعاً استراتيجياً كبيراً لإنشاء خط أنابيب لنقل النفط المكرر يربط بين منطقة داميرجوغ في جيبوتي ومدينة دولي الإثيوبية.
وتستند السياسة الخارجية لإثيوبيا القائمة على فكرة المدمر (التآزر) إلى رؤية واضحة ومحددة، تضع تعزيز الترابط الإقليمي وإعطاء الأولوية لدول الجوار في مقدمة اهتماماتها.
ولم تأتِ هذه السياسة من فراغ، بل هي نتاج رؤية إثيوبية طموحة تسعى للنمو المشترك مع جيرانها وفق مبادئ السلام والمنفعة المتبادلة.
ولا تقتصر الروابط بين إثيوبيا وجيبوتي على الحدود الجغرافية فحسب، بل تتعداها إلى أبعاد اجتماعية وثقافية عميقة؛ إذ يتحدث العديد من المواطنين الجيبوتيين اللغات الإثيوبية بطلاقة، مما عزز التفاعل القوي في مجالات التجارة والسفر والتواصل اليومي.
كما تتشارك الشعوب الثقافة والوعي النفسي المتقارب، وهو ما يُعرف في الأدبيات الدبلوماسية بـ القوة الناعمة وهي رابطة طبيعية لا يمكن شراؤها بالاتفاقيات الورقية.
فعندما تتشارك الشعوب اللغة والأطعمة والموسيقى، تتضاءل فرص تحول الخلافات الحكومية إن وجدت إلى أزمات عميقة؛ فهذا الترابط الشعبي هو الضامن لاستدامة العلاقات بما يتجاوز أطر الدبلوماسية الرسمية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يشكل ميناء جيبوتي شرياناً حيوياً لحركة التجارة الخارجية الإثيوبية استيراداً وتصديراً، حيث يمر عبره أكثر من 95% من التجارة الخارجية للبلاد.
وهذا يعني أن موثوقية هذا الميناء ترتبط ارتباطاً مباشراً بالاقتصاد الإثيوبي، بدءاً من تصدير البن وصولاً إلى استيراد الوقود.
غير أن هذا التكامل ليس أحادي الاتجاه؛ إذ تعتمد جيبوتي بشكل أساسي على مياه الشرب القادمة من إثيوبيا عبر مشروع المياه العابر للحدود، والذي يعد أحد أكبر مشاريع المياه في إفريقيا، حيث يزود العاصمة جيبوتي ومدناً أخرى بمياه الشرب التي ظلت إثيوبيا توفرها مجاناً لسنوات.فضلاً عن ذلك، تصدر إثيوبيا الطاقة الكهربائية إلى جيبوتي.
تؤكد هذه الحقائق أن العلاقة بين البلدين ليست مجرد سردية واحدة تبدأ وتنتهي عند استخدام إثيوبيا لميناء جيبوتي، بل هي شراكة قائمة على التكافل والتكامل الفعلي وتبادل الموارد الحيوية التي لا غنى عنها لكلا الطرفين.
وعندما تتضافر عوامل الهوية، والمسارات التجارية، وتبادل الموارد الطبيعية لربط الدول، فإن النتيجة لا تقف عند حدود الزيارات الدبلوماسية التقليدية، بل تتحول إلى حجر زاوية للاستقرار الإقليمي.
إن زيارة رئيس الوزراء د. أبي أحمد إلى جيبوتي لا تهدف فقط إلى تجديد اتفاقية تجارية، بل تعزز مساراً يحدد المستقبل المشترك للشعبين.
وفي ظل حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، يعكس خيار إثيوبيا الثابت في تعزيز علاقاتها مع جيرانها رسالة جلية تؤكد التزام الحكومة بتشكيل مستقبل المنطقة عبر التعاون والتكامل بدلاً من الصراع والعزلة.