لم يعد سماع نغمة التهديد والشكوى التي اعتاد عليها سياسيو القاهرة أمراً جديداً.
ففي الآونة الأخيرة، وصف وزير الموارد المائية والري المصري سد النهضة بـ “غير القانوني”، مصرحاً بموقفه المتأرجح بين الغضب والكبرياء بقوله: “إن حقنا في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمننا المائي القومي مكفول”.
ولكن عند قياس هذا الكلام بميزان الدبلوماسية الناضجة، فإنه لا يمكن أن يكون سوى ذريعة واهية لحالم بائس يستيقظ من أوهام الأمس في عصر بزغ فيه النهار.
إن سياسيي أرض الفراعنة لا يبدو أنهم يدركون أن العالم قد تغير؛ إذ يتوهمون أن الاتفاقيات القديمة لتقسيم المياه، التي كُتبت في العهد الاستعماري ولم توقع عليها إثيوبيا، هي بمثابة قانون، ليصرخوا قائلين: “لم تُحترم حقوقنا التاريخية”، وهو ليس إلا خداعاً للذات.
إن وصف السد بـ “غير القانوني” في وقت اكتمل فيه بناء سد النهضة مادياً، وبدأ بالفعل في توليد الطاقة الكهربائية، ودحر عاصفة التهديدات الصادرة من القاهرة بالحقائق الدبلوماسية والعلمية، ليس سوى هوس سياسي ينجم عن إنكار الواقع الملموس
لم يُوضع حجر الأساس لسد النهضة بقرار من القاهرة أو بعقود استعمارية صاغتها باريس ولندن، بل هو صرح سيادي بُني بقطرات دماء ودموع وعرق الإثيوبيين.
إن كل خرسانة، وكل مساهمة بقطع نقود صغيرة، وكل التزام من الشعب الإثيوبي هو حقيقة قائمة، وليس مشروع استجدَاء ينتظر الاعتماد بورقة موافقة تُوقع على طاولة في القاهرة.
إن الجهود التي تبذلها إثيوبيا لاستغلال مواردها الطبيعية لانتشال شعبها من الظلام لا تتوقف على موافقة أي دولة.
لقد كان من الإجحاف تاريخياً أن تنعم مصر بمياه النيل وحدها لسنوات وتهدرها، بينما تعاني إثيوبيا
التي ينبع منها 85% من مياه النهر من الظلام وتعيش في الفقر.
واليوم، تم تصحيح ذلك الانحراف التاريخي بسواعد الإثيوبيين.
وإذا كانت القاهرة تجد صعوبة في قبول هذه الحقيقة كـ واقع مفروض، فهذه أزمة نفسية وسياسية خاصة بها، وليست واجباً على إثيوبيا حله.
إن المصلحة الوطنية والوجود الإثيوبي لا يقتصران على تدفق نهر واحد فقط؛ فاليوم يعتمد المكان الجيوسياسي لإثيوبيا على مائين حاسمين هما: نهر النيل والبحر الأحمر.
فبينما يمثل النيل النهضة الاقتصادية الداخلية والتنمية الصناعية ومصدر النور، يمثل البحر الأحمر التجارة الخارجية والنفوذ الاستراتيجي الإقليمي وبرج التأكيد على السيادة.
وهذان المائان هما وجهان لوجود إثيوبيا، وكل منهما ضمان للآخر.
إن الرفض الذي تبديه مصر بشأن النيل ورغبتها في إرباك منطقة شرق أفريقيا لا يدفع إثيوبيا للتراجع، بل يدفعها على سيطرة استراتيجية على منفذها البحري في البحر الأحمر.
إن محاولات القاهرة لركوب خيولها والتجول في الفناء الخلفي لإثيوبيا ليست سوى تخبط عاجز للحد من السيطرة الاستراتيجية التي فرضتها إثيوبيا بين مياه البحر الأحمر والنيل.
إن الأرقام التي قدمها الوزير في بيانه لا تعدو كونها كشفاً لأطماعهم الخاصة، فهو يقول إن الحصة المائية السنوية لمصر تبلغ 55.5 مليار متر مكعب، بينما تحصل إثيوبيا سنوياً على مليارات الأمتار المكعبة من مياه الأمطار. وهذه سخرية سياسية كبرى!
كيف يمكن أن يُحسب على إثيوبيا مياه الأمطار التي جادت بها الطبيعة، ثم تمنع من لمس النهر الذي ينبع من أرضها؟
هل تُحرم دولة من حقها في استخدام نهرها الطبيعي لمجرد هطول الأمطار؟ إن جلوس مصر في الصحراء ومحاولتها كبح طموح التنمية الإثيوبي بذريعة العطش المائي في وقت يمكنها فيه استخدام ليس فقط مياه النيل بل المخزون الضخم للمياه الجوفية وتحلية مياه البحر هو جشع مطلق.
إن المبدأ الذي تتبعه إثيوبيا واضح: الاستخدام المنصف والمعقول للمياه.
فهي تمارس حقها في إنقاذ شعبها من الفقر دون إلحاق ضرر جسيم بدول مصب النهر. أما الوثيقة التي تقدمها القاهرة تحت مسمى “اتفاقية قانونية” بروح التملك القديمة وقاعدة “أن تكون لي وحدي”، فهي مؤامرة لتكبيل أيدي إثيوبيا، وهي غير مقبولة مطلقاً.
يمكن لسياسيي القاهرة الاستمرار في إصدار بيانات التهديد ووصف السد بـ “غير القانوني”، لأنهم يحتاجون إلى ذلك للاستهلاك السياسي الداخلي وكدعاية لتخدير شعبهم. ولكن الحقيقة على الأرض لن تتغير.
سيبقى سد النهضة صرحاً لعزيمة إثيوبيا ومشعا للنور. ولن تتوقف المصالح الوطنية لإثيوبيا في النيل والبحر الأحمر أمام تهديد أي طرف.
إن مخاوف القاهرة لن تُحل إلا بالعودة إلى الحقيقة والتفاوض مع إثيوبيا على أساس مبدأ المساواة، وليس بالاستمرار في حلم استعماري قديم والتبجح بقول “سأتخذ إجراءات”.
إن مياه النيل لن تتدفق بموافقة القاهرة، والتنمية الإثيوبية لن تُقاس بميزان الفراعنة.