Fana: At a Speed of Life!

بين الحقائق العلمية والمواقف السياسية.. جدل المياه يكشف فجوة الواقع والخطاب

تستند قضية المياه إلى حقائق علمية وهيدرولوجية واضحة، إلا أن بعض الخطابات السياسية تسعى أحياناً إلى تقديم صورة مغايرة للواقع، من خلال تجاهل التحديات الداخلية المرتبطة بإدارة الموارد المائية والتركيز على اتهام دول المنبع بمشاريعها التنموية المشروعة.

وتؤكد المعطيات الجغرافية أن أكثر من 85% من المياه التي تعتمد عليها مصر تأتي من حوض النيل الأزرق الذي ينبع من المرتفعات الإثيوبية، ما يجعل إثيوبيا طرفاً أساسياً في منظومة النيل وحقها في الاستفادة العادلة من مواردها الطبيعية أمراً لا يمكن تجاهله.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه القاهرة باستمرار عن مخاوفها المائية، تشير دراسات هيدرولوجية إلى أن جزءاً كبيراً من الفاقد المائي يرتبط بعوامل داخلية، من بينها معدلات التبخر المرتفعة في المناطق الصحراوية، وأساليب إدارة المياه التقليدية، وعدم كفاءة بعض أنظمة الري.

ويُعدّ خزان السد العالي وبحيرة ناصر مثالاً بارزاً على تأثير الظروف المناخية في فقدان المياه، إذ تقع البحيرة في منطقة شديدة الحرارة والجفاف، ما يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه سنوياً.

كما أن المشروعات الزراعية في المناطق الصحراوية، مثل مشروع توشكى، تواجه تحديات مرتبطة بمعدلات التبخر العالية وطبيعة البيئة الصحراوية.

كما أن تحديث أنظمة الري والانتقال من أساليب الري التقليدية إلى تقنيات أكثر كفاءة يمكن أن يسهم في تقليل الهدر المائي وتعزيز الأمن المائي، وهو ما يمثل خياراً تنموياً داخلياً قبل البحث عن تحميل دول المنبع مسؤولية التحديات القائمة.

وفي المقابل، تؤكد إثيوبيا أن مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير يمثل مشروعاً تنموياً يهدف إلى إنتاج الطاقة الكهربائية ودعم التنمية الاقتصادية، وليس مشروعاً للسيطرة على مياه النيل أو الإضرار بدول المصب.

ومنذ بدء تشغيل السد، تؤكد أديس أبابا أن المشروع لم يتسبب في أي ضرر مائي لدولتي المصب، وأن النهج الإثيوبي يقوم على مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للموارد المائية المشتركة، مع احترام مصالح جميع شعوب حوض النيل.

ويرى مراقبون أن مستقبل الأمن المائي في المنطقة لا يمكن أن يتحقق عبر سياسة الاتهامات والضغوط السياسية، بل من خلال التعاون الإقليمي، والاعتراف بحقوق جميع دول الحوض في التنمية، والعمل المشترك لإدارة الموارد المائية بكفاءة.

فالمعادلة الحقيقية ليست في منع دول المنبع من التنمية، وإنما في بناء شراكة تقوم على العلم والعدالة والمصالح المشتركة، بما يضمن استفادة شعوب النيل كافة من هذا المورد الحيوي.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.