تعيش على خيرات الجار وتتحكم في خيراته.. عن جحود مصر الغريب تجاه إثيوبيا
108
تنص المقولة القديمة على أن من يشرب من بئر غيره لا ينبغي له أن يدعي ملكية النبع.
هذه الفكرة تجسد بوضوح المبدأ الذي أصبح يُرى بجلاء في النزاع حول نهر النيل (أباي)،
وهنا تحديداً يستحق الموقف المصري طويل الأجل تجاه إثيوبيا نظرة أكثر تفحصاً؛ فالبلدان تفصل بينهما الجغرافيا والحدود والسيادة الوطنية، والرابط بينهما هو نهر “أباي” والنظام النهري الذي تصب مياهه فيه في النهاية.
إثيوبيا لا تطالب مصر بالتنازل عن أراضيها، ولا تسعى لتنظيم ما يحدث داخل الحدود المصرية، بل تطور مورداً يقع داخل أراضيها وتحت سيادتها، بهدف رئيسي هو توليد الكهرباء لشعب طالما عانى من عجز حاد في الطاقة.
وهناك حقيقة هامة يجب ألا تضيع وسط الضجيج السياسي: التوربين يأخذ الطاقة من الماء، ولكنه لا يأخذ الماء من النهر.
إن سد النهضة هو مشروع لتوليد الطاقة الكهرومائية على نهر أباي في إثيوبيا، وهدفه توليد الكهرباء من حركة المياه.
والمياه التي تخرج من السد تواصل تدفقها نحو دول المصب. ولطالما قدمت إثيوبيا المشروع باعتباره وسيلة لتحقيق التنمية وإتاحة الفوائد عبر حوض النهر، وليس آلية لاستهلاك المياه بشكل دائم.
وهنا تبدأ منطقية العقلية الصفرية في التفكك؛ فإذا كانت إثيوبيا قادرة على توليد الكهرباء بينما تواصل المياه طريقها نحو المصب، فإن مكسب إثيوبيا لا يعني بالضرورة خسارة مصر.
إضاءة مصباح في منزل إثيوبي لا تتطلب إطفاء مصباح في منزل مصري، وتشغيل مصنع في إثيوبيا لا يعني إغلاق مصنع في مصر؛ فالتنمية ليست كعكة لا يمكن لأحد أن يأكل منها إلا بإبقاء الآخر جائعاً.
ورغم ذلك، فإن الخطاب المحيط بالنزاع غالباً ما يحول التعاون إلى منافسة، والمنفعة المتبادلة إلى صراع بين رابح وخاسر.
السجل التاريخي يجعل مسألة السيادة أكثر وضوحاً؛ فاتفاقية 1929 الإنجلو-مصرية واتفاقية 1959 بين مصر والسودان حددتا حصص المياه لمصر والسودان دون أن تكون إثيوبيا طرفاً فيها (حيث خصصت اتفاقية 1959 نحو 55.5 مليار متر مكعب لمصر و18.5 مليار متر مكعب للسودان). وقد رفضت إثيوبيا ودول أعالي النهر الأخرى فكرة أن هذه الترتيبات الثنائية يمكن أن تحدد حقوقها السيادية.
هذا ليس مجرد خلاف فني بسيط، بل يمس جوهر ما إذا كان الترتيب تم بدون مشاركة دولة ذات سيادة يمكن استدعاؤه لاحقاً للإشراف على تنمية تلك الدولة. لا يمكن لأحد أن يكتب قواعد منزل آخر ثم يطرق بابه مطالباً بالطاعة!
وقد لخص السفير زريهون أبيبي، المدير العام للشؤون الأفريقية بوزارة الخارجية الإثيوبية، هذا التناقض بدبلوماسية وروح دعابة عقب التصريحات المصرية الأخيرة؛ حيث وجه حديثه لوزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم معرباً عن استعداده لتنظيم “دورة مكثفة في مبادئ القانون الدولي ” تركز خصيصاً على الحقوق السيادية للدول على مواردها الطبيعية.
تحمل هذه الدعابة مغزى جاداً؛ فالروابط الدولية ليست علاقة بين مؤجر ومستأجر يملك فيها طرف السلطة لتفقد مخططات دولة أخرى ذات سيادة لمجرد أن شيئاً ينبع منها يعبر الحدود لاحقاً.
فنهر أباي لا يصبح أرضاً مصرية لمجرد أن مياهه تتجه نحو مصر، كما أن إثيوبيا لا تتوقف عن ممارسة حقوقها السيادية على مواردها لمجرد أنها جزء من نظام مائي عابر للحدود.
ويزداد وجه المفارقة وضوحاً عند النظر في منافع التنمية الإثيوبية؛ فقد أنفقت إثيوبيا موارد وطنية هائلة لبناء سد النهضة للحد من العجز الكهربائي الذي كبّل الأسر والأعمال والتوسع الصناعي.
ويأتي المشروع ضمن جهود إثيوبية أوسع لتحويل الموارد الطبيعية إلى قدرات إنتاجية، وتوسيع نطاق الوصول للكهرباء، وبناء اقتصاد قادر على دعم السكان للنمو السريع. وفي الوقت نفسه، أكدت إثيوبيا أن السد يوفر منافع لدول المصب من خلال تنظيم تدفق المياه، والحد من الفيضانات، وتقليل التبخر، وتحسين إدارة المياه.
فما هي الاستجابة المناسبة لدولة تطور مواردها الذاتية مع ضمان تدفق المياه نحو المصب؟ هل هي الامتنان للطاقة الإضافية والتدفقات المنتظمة التي تفيد الحوض؟ أم التعاون لتعظيم هذه الفوائد؟ أم إطلاق مطالب جديدة تتطلب حصول دولة النبع على إذن أولاً للتنمية؟
إن هذا الخيار جوهري؛ فالطريق الأول يبني حوضاً للإزدهارالمشترك، بينما يفي الطريق الثاني بالمنطقة محاصرة في صراع حول من يحمل مفاتيح التحكم.
وهناك مثل قديم يجدر تذكره: لا يمكنك أكل الكعكة والاحتفاظ بها في الوقت نفسه. لا يمكن لمصر أن تصرح بأن أباي مورد مائي مشترك يتطلب التعاون، وتتعامل في الوقت نفسه مع حقوق التنمية السيادية لإثيوبيا وكأنها خاضعة للموافقة المصرية. الموارد المشتركة تتطلب مسؤولية مشتركة، لا نقل السيادة.
كما لا ينبغي تصوير التنمية الإثيوبية وكأنها انتزاع لشيء من مصر؛ إثيوبيا لا تحول مجرى النهر إلى خزان خاص وتغلق الأبواب، بل تستغل النهر لتوليد الكهرباء بينما تواصل المياه رحلتها.
هذا الفارق أساسي جوهري؛ فالمرء قد يستفيد مما يخرج من منزل آخر دون أن يكتسب الحق في تقرير ما يحدث داخل ذلك المنزل، وقد يكون ممتناً للمياه القادمة من بئر غيره دون أن يطالب بالبئر نفسه!
هذا هو المبدأ الذي يجدر بمصر مراعاته. وإثيوبيا ليس لديها سبب للاعتذار عن استخدام الموارد الواقعة ضمن أراضيها ذات السيادة لتحسين حياة شعبها. لا يمكن للتنمية في البلاد أن تظل مجمّدة لمجرد أن دولة أخرى اعتادت على نمط تاريخي محدد لاستخدام المياه.
لقد أُنشئ النظام القديم للنيل في وقت كانت فيه الاحتياجات التنموية وأصوات دول أعالي النهر غائبة إلى حد كبير عن الترتيبات التي شكلته. واليوم، هذه الدول هي دول ذات سيادة تمتلك مجتمعات متنامية، واحتياجات طاقة، وطموحات تنموية مشروعة. وبالتالي، فإن البحث عن نظام دائم للحوض لا يمكن أن يكون مجرد مسعى للحفاظ على المزايا التاريخية لطرف واحد إلى الأبد.
هذا لا يعني تجاهل المصالح المصرية، بل وضعها ضمن إطار يمكن فيه للتنمية الإثيوبية والأمن المائي المصري التعايش معاً.
وكان موقف إثيوبيا المتكرر هو أن التعاون والمنافع المتبادلة والاستخدام المنصف هي الخيارات الأفضل مقارنة بالمواجهة. كما رفضت إثيوبيا بحسب وزارة المياه والطاقة أي تهديدات أو محاولات لتقويض جهودها، داعية إلى إدارة العلاقات بين دول الحوض على أساس المساواة.
والدرس بسيط للغاية، البيت الذي ينتج الخيرات له الحق في العيش فيه، والضيف الذي يستفيد مما يخرج من ذلك البيت له حق الامتنان وليس الملكية.
يمكن لنهر أباي أن يولد الكهرباء لإثيوبيا ويواصل الجريان نحو المصب، ويمكن لإثيوبيا أن تتطور دون حرمان مصر من وجودها، ويمكن لمصر أن تحمي مصالحها المائية دون محاولة تحويل تلك المصالح إلى سلطة على إثيوبيا.
هذه ليست معادلة صفرية، بل هي الفارق بين الشراكة والوصاية، وبين التعاون والسيطرة، وبين احترام السيادة ومحاولة إعادة ترتيب منزل دولة أخرى عن بُعد.
يجب أن يكون أباي جسراً بين الطموحات التنموية، لا ذريعة لدولة لإملاء شؤونها على دولة أخرى. المياه تستمر في التدفق، وكذلك ينبغي أن تفعل المنافع.. وما يجب أن يتوقف هو افتراض أن تدفق المياه يعطي أي طرف مفاتيح المصدر.