Fana: At a Speed of Life!

خلافا للرغبة المصرية..إثيوبيا تفرض واقع أباي وتفتح مسار الوصول إلى البحر

 تعتمد المبادئ والمواقف التي تطرحها القاهرة تجاه أديس أبابا على مفارقة مزدوجة؛ إذ يُطلب من إثيوبيا ممارسة ضبط نفس استثنائي تجاه استخدام الموارد المائية النابعة من أراضيها، بينما تُعامل مساعيها المشروعة للحصول على منفذ  عبر البحر الأحمر من خلال المفاوضات وكأنها طموح غير مقبول.

وتكشف ازدواجية المعايير هذه عن رؤية إقليمية تستهدف إبقاء الخيارات الاستراتيجية لإثيوبيا ضمن حدود مرسومة خارجياً. ولا يُعد نهر النيل (أباي) مجرد شريان مائي على الخريطة، بل يمثل أحد المحاور المركزية لجغرافية إثيوبيا وتنميتها ووجدانها الوطني؛ إذ تنبع مياهه وتجري داخل حدودها، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من تطلعاتها لتحويل الموارد الطبيعية إلى طاقة كهربائية، وزراعة، وصناعة، وفرص اقتصادية شاملة.

ومع ذلك، واجهت المساعي الهادفة لاستغلال هذا الأثر التنموي مبادئ تسعى عملياً لإخضاع خيارات أديس أبابا التنموية لرغبات دول المصب.

وتستند هذه الرؤية التقليدية إلى أطر تاريخية لم تشارك إثيوبيا في صيغتها ولم تقبل بها كقيود دائمة على سيادتها التنموية. فبالرغم من استدعاء ترتيبات عامي 1929 و1959 مراراً في النقاشات حول استخدام مياه النيل، إلا أن أديس أبابا لم تكن طرفاً فيها.

ومن ثم، فإن التعامل مع تلك الاتفاقيات كحق “فيتو” دائم على استخدام الموارد الطبيعية الوطنية يعكس محاولة لفرض النظام الجيوسياسي للماضي كعائق أمام التنمية المستقبلية.

غير أن إثيوبيا اليوم تتجاوز القوالب هذه؛ إذ تشهد البلاد تشييد السدود، والمجمعات الصناعية، والطرق السريعة، والسكك الحديدية، والبنية التحتية الرقمية، والممرات الحضرية، والأنظمة الزراعية الإنتاجية.

وتتوسع في بناء اقتصادها، وتعزيز مؤسساتها، وتطوير قدراتها التنفيذية لإنجاز مشاريع كبرى ذات أبعاد استراتيجية.

ويقف سد النهضة كأبرز رمز لهذا التحول التنموي، ليس فقط بحجم الطاقة الكهربائية المستهدف إنتاجها، بل بما أثبته بناء السد من قدرة على تعبئة الموارد الوطنية والجهود الشعبية حول مشروع استراتيجي موحد.

وتتعدى الأهمية الحقيقية لسد النهضة حدود توليد الطاقة الكهرومائية؛ لتجسد قدرة الدولة السيادية على استغلال مواردها لتحقيق التنمية دون حاجة لإذن من الخارج، مع مراعاة المصالح المشروعة لدول الجوار دون الانصياع لتراتبية إقليمية تحرم الدولة من مواردها.

ولا تتطلب إدارة الموارد المائية العابرة للحدود المفاضلة بين التنمية والتعاون؛ إذ تُقر المبادئ الدولية الحديثة بالاستخدام المنصف والمعقول للموارد التشاركية بما يحفظ حقوق كافة الأطراف.

وقد واصلت أديس أبابا تقديم رؤيتها لاستغلال مياه النيل وفق هذا الإطار، مؤكدة أن تحقيق التنمية الوطنية لا يتعارض بالضرورة مع مصالح دول المصب، مما يطرح التساؤل حول أسباب تصوير المشروعات التنموية لبلد يتجاوز سكانه مائة مليون نسمة وكأنها تهديد لإقليمها.

وعلى صعيد منفذ البحر الأحمر، فإن الوصول إلى البحر لا يشكل خياراً ثانوياً لبلد مغلق جغرافياً يتنامى سكانه وإنتاجه وتجارته، بل يمثل ضرورة اقتصادية تمس كفاءة الصادرات والواردات، والاستثمارات الصناعية، والخدمات اللوجستية، والأمن الغذائي.

ولا ترتكز المساعي الإثيوبية لنيل منفذ بحري على الشروط القسرية، بل على التوصل إلى ترتيبات تفاوضية متفق عليها تحقق المنفعة المتبادلة وتحترم سيادة دول المنطقة.

ومع ذلك، تظهر الرؤية الساعية للتقييد ذاتها عند التعاطي مع الملف البحري؛ إذ يُراد للنهر أن يظل موضع قيود استثنائية، وللبحر أن يبقى أفقاً بعيد المنال.

بينما تترابط القضيتان ضمن مسار واحد؛ أحدهما يختص باستغلال الموارد الداخلية، والآخر يرتبط بالاتصال المباشر مع حركة التجارة الاقتصادية العالمية عبر البحر الأحمر.

وتسعى الدولة عبر هذا المسار إلى التغلب على القيود الجغرافية التاريخية التي أثرت على مسارها التنموي لعقود، محولة الملف البحري إلى أجندة وطنية استراتيجية تستهدف بناء القواعد الاقتصادية المكملة للسيادة الوطنية.

فالتنمية المستدامة تقتضي الربط بين السيادة السياسية والجغرافية الاقتصادية للدولة.

إن محاولات الحد من خيارات أديس أبابا الاستراتيجية تساهم في تعزيز الوعي الوطني بأهمية هذه القضايا الحيوية؛ إذ إن ترسيخ ملفات المياه والسيادة والمنافذ البحرية كمسائل غير قابلة للتفاوض يجعلها جزءاً أصيلاً من المصلحة الوطنية العليا.

وتعتمد القوة الاستراتيجية للدولة على دمج الإرادة الوطنية مع الدبلوماسية والتعاون الإقليمي القائم على تحقيق المصالح المشتركة لجميع الأطراف.

وفي الوقت الذي تقارب فيه القاهرة ملف التنمية الإثيوبية عبر موروثات التراتبية الإقليمية القديمة، تنظر أديس أبابا إلى الإقليم عبر منظور جديد؛ يرى في نهر النيل مصدراً للتنمية والنمو، وفي البحر الأحمر بوابة استراتيجية للربط الاقتصادي عبر التفاهمات التفاوضية.

ولا يمكن تحويل أي منهما إلى أداة لتقييد المستقبل التنموي للدولة، حيث يتواصل العمل على استغلال الموارد الوطنية بروح المسؤولية، وتوسيع القدرات الإنتاجية، وتعزيز الشراكات الإقليمية لبناء مستقبل يستند إلى التكافؤ والتنمية المستدامة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.