دور إثيوبيا في البحر الأحمر.. الحلقة المفقودة في الاستقرار الإقليمي
104
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي للملاحة والتجارة، بل تحول إلى أحد أكثر الخطوط الجيوسياسية حرجاً وعرضة للتواجه في العالم.
وما الأزمة الأخيرة حول مضيق باب المندب إلا دليلاً على حقيقة تتأكد يوماً بعد يوم: لا يمكن فصل أمن البحر الأحمر عن أمن القرن الأفريقي، ولا يمكن معالجة أمن القرن الأفريقي بشفافية وفاعلية طالما بقيت إثيوبيا على هامش صنع القرار البحري.
في 15 سبتمبر 2026، حذر مساعد الأمين العام للأمم المتحدة خالد الخياري مجلس الأمن الدولي من أن الوضع في مضيق باب المندب بات يتسم بتقلّب شديد متزايد مع احتدام القتال على طول الساحل الغربي لليمن وتقدم جماعي الحوثي نحو هذا الممر الاستراتيجي. ودعا إلى ضبط النفس، والحوار، وإعادة إرساء حقوق وحريات الملاحة وفق القانون الدولي والالتزام بها.
ولم يكن ذلك التحذير متعلقاً باليمن وحدها؛ فمضيق باب المندب هو البوابة البحرية الضيقة التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. وأي اضطراب هناك ستتسع آثاره لتشمل خطوط الشحن، وأسعار التأمين، وأسواق الطاقة، والإمدادات الغذائية، وسلاسل التوريد العالمية؛ فلا تقف التبعات عند شواطئ اليمن أو الدول المطلة على البحر الأحمر، بل تمتد لتصل إلى المصانع في آسيا، والأسواق في أوروبا، والمستهلكين على بعد آلاف الكيلومترات.
وفي المقابل تماماً من هذا المعادلة الاستراتيجية على الجانب الأفريقي تقع إثيوبيا.
هشاشة جيواقتصادية متزايدة
على الرغم من أن إثيوبيا أصبحت دولة غير ساحلية منذ أكثر من ثلاثة عقود عقب استقلال إريتريا عام 1993، إلا أن الجغرافيا لم تفصلها يوماً عن البحر الأحمر؛ فتاريخها، واقتصادها، وأمنها، ودبلوماسيتها ظلت وثيقة الصلة بهذا الممر المائي.
واليوم، تكتسب هذه الاعتمادية طابعاً عملياً؛ إذ تعتمد التجارة الدولية لإثيوبيا بشكل كبير على ممر جيبوتي، مما يعني أن أي اضطراب يطال حركة الشحن أو الموانئ أو التأمين أو الطرق البحرية في البحر الأحمر يتحول سريعاً إلى أزمة اقتصادية داخلية. وقد وصف معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي هذا الوضع بأنه “هشاشة استراتيجية” ناتجة عن الاعتماد على ممر مائي يقع أمنه خارج نطاق السيطرة المؤسسية المباشرة للبلاد.
وهذه الحقيقة تفترض تغييراً في الفهم العالمي للتطلعات البحرية الإثيوبية؛ فغالباً ما يُختزل مسعى إثيوبيا للوصول الموثوق إلى البحر في قالب نزاع إقليمي أو سياسي، وهو تفسير ناقص للأزمة. ففي الواقع، تواجه إثيوبيا مشكلة هيكلية: اقتصاد أفريقي رئيسي وأحد أكبر دول القارة سكاناً يعتمد كلياً على نظام بحري ليس له فيه منفذ مباشر أو تأثير في هيكله الأمني.
وهذه ليست مشكلة إثيوبية فحسب، بل هي مشكلة إقليمية ودولية متصاعدة.
لا يمكن تأمين البحر الأحمر من “أعالي البحار” فقط
تكشف الأزمة الأخيرة في باب المندب التقييم القاصر لمعالجة أمن البحر الأحمر باعتباره شأناً يخص القوى البحرية الخارجية؛ فالقطع الحربية تستطيع حماية السفن، والانتشار العسكري قد يردع الهجمات، والمهمات الدولية بإمكانها مواكبة السفن التجارية، لكن لا توجد أساطيل عسكرية مهما بلغت قوتها قادرة بمفردها على حل الثغرات السياسية والاقتصادية والمؤسسية التي تجعل البحر الأحمر عرضة للاضطراب المتكرر.
وقد أكدت الأمم المتحدة أن حماية حرية الملاحة يجب أن تقترن بمنع المزيد من التصعيد في اليمن والدفع نحو حل سياسي. وهذا يعني أنه لا يمكن فصل الأمن البحري عن الدبلوماسية الإقليمية، ولا يمكن فصل الأخيرة عن الدول التي ترتبط اقتصاداتها وأمنها مباشرة بالبحر الأحمر، وإثيوبيا في صدارة تلك الدول.
وقد حظيت هذه الأهمية الإقليمية باعتراف مؤسسي مؤخراً؛ ففي 15 سبتمبر، حدد المجلس الوزاري لهيئة “إيغاد” سلامة وحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن كأولويات رئيسية للسلم والأمن والتنمية الإقليمية، ووجّه سكرتارية الهيئة لتعزيز الحوكمة البحرية والتعاون والتنسيق لمواجهة الديناميكيات الجيوسياسية والأمنية المتغيرة.
تحمل هذه الخطوة رسالة مفادها: أمن البحر الأحمر قضية أمنية تخص القرن الأفريقي بالكامل، وإذا كان كذلك، فلا يمكن التعامل مع إثيوبيا كعنصر هامشي.
إثيوبيا لا تطلب أن تكون مجرد مراقب
ينبغي فهم حجج إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري ضمن هذا السياق الاستراتيجي الأوسع؛ فدولة بحجم إثيوبيا الاقتصادي والديموغرافي لا يمكنها الاستمرار في الاعتماد الكلي على ممر بحري خارجي واحد، في وقت يتعرض فيه هذا الممر للنزاعات والمنافسات الجيوسياسية.
ولا يعني هذا تجاهل سيادة الدول الساحلية، بل على العكس تماماً؛ إذ إن القراءة الأقوى لمستقبل إثيوبيا البحري تستند إلى التفاوض، والمنافع المتبادلة، والقانون الدولي، واحترام سيادة الجوار. وقد صاغت أديس أبابا تطلعاتها البحرية مراراً بهذه العبارات، حيث ربطت بين الوصول إلى البحر والتنمية الاقتصادية، والأمن القومي، والتكامل الإقليمي، والتعاون الدبلوماسي القائم على الحوار السلمي.
من الهشاشة إلى الشراكة الإقليمية
هناك بعد آخر يستحق اهتماماً دولياً أكبر: لو حصلت إثيوبيا على منفذ بحري موثوق عبر اتفاق يتفاوض عليه، فلن تكتسب مجرد طريق إضافي للواردات والصادرات، بل ستكتسب مصلحة اقتصادية ومؤسسية أقوى في حفظ أمن الممر البحري نفسه.
فالدولة التي ترتبط تجارتها وبنيتها التحتية مباشرة بممر بحري تمتلك حوافز قوية لحمايته. ويمكن لإثيوبيا المساهمة في تبادل المعلومات البحرية، وأمن الموانئ، والبحث والإنقاذ، والاستعداد للطوارئ، ومكافحة التهريب، والتعاون الجمركي، والحد من الجريمة البحرية المنظمة.
وبدأت بذور هذا التشارك تظهر بالفعل؛ ففي أغسطس 2026، دعمت المنظمة البحرية الدولية ورشة عمل في أديس أبابا لوضع خارطة طريق لـ “المركز الوطني لتبادل المعلومات البحرية”، بهدف تعزيز التنسيق بين المؤسسات البحرية الإثيوبية والمساهمة في الأمن البحري الإقليمي.
وهذا الأمر هام لأن الأمن البحري ليس مرادفاً للقوة العسكرية فحسب، بل يرتبط أيضاً بالمعلومات والمؤسسات، والموانئ، وحرس الحدود، وسلطات الشحن، وأجهزة الاستخبارات، والاستجابة للطوارئ، والحوكمة المدنية؛ وبذلك يمكن لإثيوبيا أن تكون جزءاً من الحل دون تحويل البحر الأحمر إلى ساحة للتنافس العسكري.
ثقل أديس أبابا الدبلوماسي
تتمتع إثيوبيا بميزة دبلوماسية لا يمكن الاستهانة بها تتمثل في العاصمة أديس أبابا، التي تحتضن مقر الاتحاد الأفريقي وتعد إحدى أهم المراكز الدبلوماسية في القارة. وإثيوبيا عضو في منظمة “إيغاد” ولديها عقود من الخبرة في مبادرات السلم والأمن الأفريقية.
تمنح هذه المكانة إثيوبيا قنوات دبلوماسية تمتد إلى ما بعد الساحل المباشر للبحر الأحمر، بروابط تشمل القارة الأفريقية والخليج والشرق الأوسط. ولا يعني ذلك اقحام إثيوبيا في كل صراع حول البحر الأحمر، بل يعني أن لها مصلحة ودوراً محتملاً في الدفاع عن مبادئ تهم كل دولة بحرية: حرية الملاحة، وحماية السفن المدنية، واحترام السيادة، والالتزام بالقانون الدولي، والتسوية السلمية للنزاعات.
وهم استقرار البحر الأحمر بمعزل عن إثيوبيا
هناك تناقض استراتيجي في أسلوب التعاطي مع المنطقة؛ فالقوى الخارجية تدرك الأهمية البالغة للبحر الأحمر، فتُنشر القوات البحرية، وتتوسع القواعد العسكرية، وتسيّر الدوريات، وتحذر الحكومات من التهديدات الملاحية، لكن الدول الأكثر تأثراً بحكم جغرافيتها واقتصادها في القرن الأفريقي لا توضع دائماً في صلب تلك المحادثات الأمنية.
هذا النهج غير مستدام؛ فلا يمكن تثبيت استقرار البحر الأحمر بشكل دائم بالنظر شمالاً فقط نحو الشرق الأوسط أو خارجياً نحو القوى العالمية، بل إن البعد الأفريقي للمسألة حتمي وأساسي. فالأزمات على جانب من باب المندب تتفاعل مع الجانب الآخر؛ فالصراع في اليمن، والإرهاب، والتهريب، القرصنة، وتهريب السلاح والجريمة المنظمة يغذي بعضها بعضاً عبر الحدود البحرية والبرية.
وقد ربطت المناقشات الأخيرة في الأمم المتحدة صراحة بين عدم الاستقرار حول باب المندب والتهديدات الأوسع التي تطال الشحن الدولي والقرن الأفريقي. والعبرة واضحة: البحر الأحمر مساحة أمنية واحدة، حتى وإن قسمته الحدود السياسية.
الترابط الاقتصادي كإستراتيجية للسلام
ينبغي ربط التطلعات البحرية لإثيوبيا برؤية اقتصادية إقليمية شاملة؛ فالموانئ ليست مجرد نقاط لتفريغ السفن وتحميلها، بل بوابات تربط الاقتصادات الداخلية بالأسواق الساحلية.
والرقمنة الجمركية، وشبكات الطرق، والسكك الحديدية، والمراكز اللوجستية، والممرات التجارية قادرة على تحويل المنفذ البحري إلى أداة للتكامل الاقتصادي الإقليمي. وبالنسبة لإثيوبيا، فإن تنويع المنافذ البحرية لا يعني التخلي عن علاقاتها الاقتصادية القائمة مع جيبوتي، بل يكملها؛ فزيادة الممرات تعني مرونة أكبر، وزيادة الشراكات تعني اعتماداً اقتصادياً متبادلاً، وهذا الاعتماد المتبادل يخلق حوافز إضافية للحكومات لحماية البنية التحتية والممرات التجارية والاستقرار الإقليمي.
ملكية أفريقية لأمن البحر الأحمر
السؤال الأكثر إلحاحاً وأهمية ليس ما إذا كان ينبغي أن يكون لإثيوبيا دور في البحر الأحمر، بل: هل يمكن للمنطقة واقعياً بناء استقرار بحري دائم مع استبعاد أحد أكبر اقتصادات أفريقيا وأكثر مراكزها الدبلوماسية تأثيراً من الهيكل الاستراتيجي المحيط بهذا البحر؟
بات من الصعب تبرير استبعاد إثيوبيا؛ فتطلعاتها البحرية لا ينبغي وضعها في إطار المواجهة مع الدول الساحلية، بل كجزء من أجندة أفريقية أوسع للتكامل، والمرونة الاقتصادية، والأمن الجماعي. وهذا يتطلب دبلوماسية وترتيبات تفاوضية ومؤسسات إقليمية، لا إجراءات أحادية أو سباقات نفوذ بين القوى الخارجية، وقبل كل شيء، يتطلب اعترافاً بأن أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة.
فرصة استراتيجية من رحم الأزمة
الأزمة الحالية حول باب المندب تشكل تحذيراً وفرصة في آن واحد؛ فهي تظهر كيف يمكن لعدم الاستقرار في ممر مائي ضيق أن يتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية، وتكشف حدود الترتيبات الأمنية التي تعتمد على الحلول العسكرية وتغفل المؤسسات الإقليمية والحلول السياسية.
وبالنسبة لإثيوبيا، تؤكد الأزمة كلفة البقاء رهينة لهشاشة نظام بحري لا تملك فيه تأثيراً مباشر، لكنها تفتح أيضاً مجالاً لطرح رؤية استراتيجية أكثر طموحاً: إذ يمكن لإثيوبيا السعي للحصول على منفذ بحري بالتوازي مع تعزيز الحوكمة البحرية الإقليمية، وتعميق التعاون مع الدول الساحلية مع احترام سيادتها، والعمل من خلال “إيغاد” والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، والاستثمار في أنظمة المعلومات والخدمات اللوجستية والاستجابة للطوارئ، واستغلال ثقلها الدبلوماسي لتشجيع الحوار بدلاً من التصعيد.
والهدف الأساسي هو إضفاء الطابع المؤسسي على مصالح إثيوبيا الاقتصادية والأمنية المشروعة في البحر الأحمر من خلال ترتيبات سلمية وقانونية ومتبادلة النفع.
لا أمن دائم في البحر الأحمر بدون إثيوبيا
إن مستقبل البحر الأحمر لن تحسمه الجغرافيا وحدها، بل قدرة الدول المطلة عليه والمتأثرة به على بناء نظام قادر على إدارة الثغرات المشتركة. إن إثيوبيا أكبر من أن تُعزل اقتصادياً عن هذا النظام، وأكثر ترابطاً جغرافياً من أن تُتجاهل استراتيجياً، وأعلى وزناً دبلوماسياً من أن تُعامل كمجرد مراقب داخلي، وأشد تأثراً باضطرابات البحر الأحمر من أن تبقى خارج الترتيبات الأمنية البحرية.
لقد جعلت الأزمة الحالية هذه الحقيقة جلية: ما يحدث في باب المندب لا يتوقف عنده، بل يصل إلى القرن الأفريقي، ويصل إلى إثيوبيا، ويطال التجارة العالمية.
وإذا كانت المنطقة جادة في بناء هيكل أمني دائم للبحر الأحمر، فلا يمكن لإثيوبيا أن تظل مجرد دولة تتأثر بالقرارات المصنوعة في البحر، بل يجب أن تحجز مقعداً على الطاولة التي تُصنع فيها تلك القرارات. فالاستقرار الدائم لن يتحقق بتأمين المياه وإهمال اليابسة، ولا بحماية حركة الشحن والتغاضي عن الاقتصادات والمجتمعات التي تعتمد عليها.
وبناءً عليه، فإن مستقبل البحر الأحمر لا ينفصل عن مستقبل القرن الأفريقي ومستقبل القرن الأفريقي لا يمكن رسمه بدون إثيوبيا.