في المشهد السياسي المتغير بالقرن الأفريقي، وعلى الرغم من محاولات البعض تقليل أهمية الدبلوماسية القائمة على الحقائق والعدالة، إلا أن الحقائق التاريخية والقانونية تثبت أنه لا يمكن حجبها، وتتوالى الشهادات الميدانية والدولية لترسيخ هذه الحقيقة.
وتأتي شهادة رئيس جمهورية الصومال، حسن شيخ محمود، في مقابلته الإعلامية كدليل حي على هذا التحول؛ إذ إن تصريحه الواضح بأن لإثيوبيا رغم عدم وجود شواطئ مباشرة لها على البحر حقاً قانونياً يتيح لها أن تكون دولة مشاركة في البحر بموجب القوانين الدولية للمياه، يمثل حدثاً فكك الدسائس السياسية التي حِيكت في المنطقة لسنوات، وفتح فصلًا جديداً في المسار الدبلوماسي.
ويعكس هذا الموقف الصومالي تفهماً مجاوراً وعميقاً للمساعي الإثيوبية الرامية لحماية مصالحها الوطنية وتحقيق التطلعات التنموية لشعبها، كما يؤكد أن مطالبة إثيوبيا بـ المنفذ البحري ليست رفاهية أو سعياً للهيمنة، بل هي قضية وجود، واستقلال اقتصادي، وأمن قومي لشعب يتجاوز عدد سكانه 130 مليون نسمة.
كما يُظهر هذا الموقف المتزن المعزز بقواعد القانون الدولي أن الطرح الإثيوبي بات يحظى بالقبول والاعتراف على الساحة الدولية والإقليمية.
إن هذا الاعتراف الاستراتيجي يجسد رؤية إثيوبيا وتطلعها نحو الازدهار المستقبلي، حيث تدرك أديس أبابا أن مكانتها الجيوسياسية ودورها المحوري بالمنطقة يقتضيان تأمين وصولها المباشر ومشاركتها في البحر الأحمر، وهو أصل مدعوم بالعلوم السياسية والجيوسياسية الفيدرالية والمراجع الأكاديمية العالمية.
وفي هذا السياق، يشير المفكر الاستراتيجي ألفريد ثاير ماهان في كتابه الشهير “تأثير القوة البحرية على التاريخ” إلى أن عظَمة أي دولة وازدهارها الاقتصادي ونفوذها الدولي يرتبط مباشرة بمدى قدرتها على الوصول إلى البحار، موضحاً أن القوى البرية غير الساحلية مهما بلغت قوتها تظل عرضة للتطويق الاقتصادي والتبعية الجيوسياسية.
وفي اتجاه متصل، أكد الباحث كولين فلينت في دراسته الحديثة “المياه القريبة والبعيدة: جيوسياسية القوة البحرية” أن البحر هو المحرك الأساسي للتنافس التجاري الدولي، وأن الدول غير الساحلية تصطدم بعوائق كبرى أمام تحقيق مصالحها الوطنية ما لم تؤمن لها ترتيبات بحرية دائمة.
في المقابل، تؤكد هذه التحولات الدبلوماسية بداية تهاوي السيناريوهات المحبوكة، والتي سعت لسنوات لتشويه صورة إثيوبيا وإظهارها كمصدر للقلاقل، وربط مطالبها البحرية بالتهديدات الأمنية.
إن شبكات الدعاية والتحالفات المضادة التي نُسجت في بعض العواصم لعزل إثيوبيا بدأت تتفكك أمام صمود هذا الشعب العظيم، وشرعية المبادئ القانونية، والتفوق الاستراتيجي والواقعي للحقائق على الأرض.
إن المسار الدبلوماسي السلمي والعادل والمستند إلى القانون الدولي الذي تنتهجه إثيوبيا يمضي بثبات إلى الأمام؛ فرغبة المشاركة والوصول إلى البحر الأحمر تتكئ على العدالة التاريخية، والقانون الدولي، والدراسات الاستراتيجية الحاكمة.
وسيبقى التعاون الإقليمي والتكامل القائم على المصلحة المشتركة والتنمية المتبادلة هو الخيار الوحيد والزاوية الحصينة لجميع دول المنطقة.