عيد مسقل في إثيوبيا..عندما يتجسد التراث الحي في شعلة دمرا
48
مع حلول غسق الليلة في إثيوبيا، يبدأ وهج شعلة بالصعود في الآفاق؛ حيث يُجمع الخشب من المنازل والأحياء ليُشيد منه دمرا وهي مهرجان وشعلة مخروطية قوامها أعواد الخشب والأغصان لتلتف حولها الجماهير في مشهد بين الصلوات، والأناشيد، والذكريات.
وعيد مسقل هو مناسبة دينية يحيي فيها الإثيوبيون أتباع الكنيسة الأرذوثوكسية ذكرى العثور على صليب السيد المسيح.
يمتد العيد على مدار يومين متتاليين؛ حيث تبدأ الاحتفالات بعشية العيد من خلال تشييد وإيقاد شعلة دمرا، لتتواصل الفعاليات الدينية والاجتماعية في اليوم التالي عبر تتويج أواصر القربى والزيارات بين العائلات والأصدقاء والجيران في احتفالية تتداخل فيها الشعائر الدينية مع تفاصيل الحياة اليومية بشكل طبيعي.
ولا يقتصر هذا الحدث على المشهد البصري للشعلة المتصاعدة في السماء، أو الأناشيد التراثية والأزياء الشعبية التقليدية المزركشة التي تتزين بها الجموع؛ بل يكمن في تعزيز روابط التواصل وجمع الناس في مساحات مشتركة.
فعلى مر الأجيال، أضحى احتفال مسقل مناسبة سنوية ترسخ تقاليد الضيافة الإثيوبية، والرعاية المتبادلة، والتلاحم الاجتماعي؛ حيث يُتبادل الطعام، وتلتئم الأسر، ويُرحب بالزوار والسياح، مما يحول هذه الذكرى التاريخية إلى تجربة إنسانية وثقافية ملموسة.
وتُعد هذه المناسبة محطة لاستحضار الذاكرة الجمعية ناقلة التقاليد الوطنية من جيل إلى آخر؛ إذ لا تُحفظ هذه الطقوس كمسرد تاريخي ، بل يتجدد إحياؤها سنوياً بأيدي الأهالي الذين يشاركون في إعداد الخشب، وتشييد الدمرا، وأداء الأناشيد التراثية.
هذا الاستمرار الحضاري منح المناسبة مكانة تتجاوز الحدود الوطنية؛ إذ أدرجت منظمة اليونسكو احتفالات مسقل ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2013.
كما يُقدم الاحتفال نافذة على ثقافة الكرم والضيافة التي تتفرد بها إثيوبيا؛ إذ يلمس المتابعون والزائرون احتفاءً متكاملاً، تفتح فيه العائلات أبوابها، وتتشارك فيه المجتمعات إرثها عبر مهرجان جماعي يتألق بروح التعايش الوطني.
ومع انطفاء ألسنة اللهب وتحول الشعلة إلى جمر متوهج، تظل القيم الاجتماعية والثقافية لهذه المناسبة حاضرة؛ وأواصر الاجتماع والتآخي تدوم في الذاكرة الشعبية.