Fana: At a Speed of Life!

قصة سدّين: سد النهضة والسد العالي.. مقارنة منهجية

بين مشروعين هندسيين ينتميان لعهدين مختلفين، تتجلى الرؤية الإثيوبية للتنمية المستدامة والتكامل الإقليمي في مواجهة نموذج أحادي قديم؛ فبينما تعول مصر على السد العالي كركيزة أساسية لبنيتها التحتية المائية، شيدت إثيوبيا سد النهضة ليكون محركاً لنهضتها الوطنية.

وتكشف المقارنة بين هذين المشروعين العملاقين تبايناً جوهرياً في منهجيات التعاون الإقليمي، والأثر الإنساني، والاستدامة البيئية.

وقد وضع وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هبتامو إيتيفا، تاريخ السد العالي بأسوان في موقعه الصحيح؛ حيث شكك في الأهلية الأخلاقية للقاهرة في انتقاد أديس أبابا بدعوى عدم كفاية المشاورات، مشيراً إلى أن مصر شيدت السد العالي دون الحصول على موافقة دول أعالي النيل، مما يضع الخلافات الفنية الحالية في سياقها التاريخي الأطول حول الحق في التنمية وإدارة موارد الحوض.

تستمد هذه المقارنة قوتها من التبعات الإنسانية والبيئية المباشرة للسد العالي، الذي بُني بين عامي 1960 و1970 وأدى لتشكل بحيرة ناصر؛ حيث أدى هذا المشروع الأحادي إلى التهجير القسري لأكثر من 100 ألف من السكان الأصليين النوبيين، وتدمير مجتمعاتهم المحلية، ومواطن أجدادهم، وسبل عيشهم التقليدية، فضلاً عن غمر المعالم التاريخية وحجب الطمي المخصب عن دول المصب.

وتثبت الدراسات أن بحيرة السد العالي تعاني من معدلات تبخر هائلة تتراوح بين 10 إلى 16 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، مما يفرض أعباءً بيئية ومائية ضخمة على الحوض بكامله.

على العكس من النموذج المتبع في أسوان، اعتمدت إثيوبيا النهج الشفاف والشراكة وحسن النية منذ انطلاق أعمال تشييد سد النهضة باستثمارات بلغت 5 مليارات دولار، لتشكيل بحيرة نغات سعة تخزينية تصل إلى 74 مليار متر مكعب، تم ملؤها عبر مراحل متعددة اتسمت بالمسؤولية العالية.

وفي وقت وقعت فيه مصر والسودان اتفاقية عام 1959 الثنائية لتقاسم مياه النيل دون مشاركة دول أعالي النيل.

أفادت التقارير بأن الوثائق الأمريكية والبريطانية من عام 1952 إلى 1960 وثقت المخاوف بشأن غياب المشاورات الموسعة بين دول الحوض.

وعلى النقيض من ذلك بادرت أديس أبابا بالتشاور مع دول المصب منذ اليوم الأول، وتوجت ذلك بالتوقيع على إعلان المبادئ عام 2015 كإطار قانوني حديث للتعاون الإقليمي.

ويدور النقاش الحالي بشكل أساسي حول مطالبة مصر باتفاق ملزم بشأن كمية المياه التي ينبغي لإثيوبيا إطلاقها من بحيرة نغات إلى دول المصب في أوقات الجفاف الممتد وهو اقتراح لا يمكن لإثيوبيا قبوله، قائلة إن الجفاف الممتد قد يؤثر على جميع البلدان المعنية، وليس على هذا البلد أو ذاك بشكل انتقائي.

وتحافظ إثيوبيا على حقها في استخدام مياه النيل للتنمية الوطنية دون الحاجة إلى موافقة مسبقة.

ويقدم تاريخ بناء سد النهضة أدلة على كل من المشاركة والجمود. فقد بدأت إثيوبيا البناء في أبريل 2011 وتصرفت بشفافية.

وفي عام 2015، وقعت إثيوبيا ومصر والسودان على إعلان المبادئ، الذي تستشهد به إثيوبيا كإطار حديث للتعاون.

واستمرت المفاوضات لأكثر من عقد من الزمان، بما في ذلك جولات دعمها الاتحاد الإفريقي ووساطات سابقة من الولايات المتحدة والبنك الدولي، لكن الخلافات السياسية الجوهرية تظل قائمة، بسبب التعنت المصري والإصرار على “الحصص” المائية التاريخية.

كما قدمت التقييمات الفنية أساساً للتعاون. حيث أفادت التقارير بأن تقرير لجنة الخبراء الدولية لعام 2013 خلص إلى أن معايير تصميم وبناء سد النهضة تلبي المعايير الدولية، ووقع جميع أعضاء اللجنة العشرة على التقييم.

كما حددت اللجنة الفوائد المحتملة، بما في ذلك استقرارتدفقات المياه في اتجاه مجرى النهر وتقليل الفيضانات.

وتضيف التأثيرات البيئية لسد أسوان بعداً آخر للمقارنة. حيث تقدر دراسات أن التبخر من الخزان يزيل ما بين 10 و16 مليار متر مكعب من المياه سنوياً.

وهذه الأرقام تعزز تصريحات وزير الري والمياه هبتامو إيتيفا بأن سد مصر نفسه كانت له عواقب كبيرة على مستوى الحوض بأكمله.

وقد رفضت مصر الانضمام إلى إطار التعاون لحوض النيل (CFA)، وتواصل الاعتماد على الاتفاقيات “التاريخية”، بما في ذلك ترتيبات عامي 1929 و1959، لدعم ادعاءاتها بشأن حصص المياه.

وتطالب دول أعالي النيل، بما في ذلك إثيوبيا، بتوزيع أكثر عدالة وترفض استمرار الفيتو المصري على المشاريع.

وبالتالي، فإن تصريحات وزير الري والمياه يفعل ما هو أكثر من مجرد الدفاع عن سد النهضة. إنه تحد للسردية التاريخية التي تقدم مصر من خلالها نفسها على أنها عرضة بشكل فريد لمشاريع أعلى النهر، مع توجيه الانتباه إلى المجتمعات والدول التي تم استبعادها من القرارات السابقة.

ومن هذا المنطلق، فإن تحقيق التوافق سيعتمد على إيجاد مسار متكامل لا يتجاهل مخاوف أي دولة، ولا يغفل التكاليف التي فرضت على المجتمعات المحلية؛ وهو تماماً ما ظلت تنادي به إثيوبيا ودول أعالي النيل.

ولذا، يتوجب على مصر في النهاية الانخراط في هذا الإطار المشترك، والمساهمة بحسن نية في التعاون على مستوى الحوض بأكمله، بدلاً من التمسك بادعاءات “الحقوق التاريخية” التي تجاوزها الزمن.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.