لسنوات طويلة في العصر الحديث، دخلت إثيوبيا المشهد الغذائي العالمي من الجانب الخاطئ للمعادلة؛ حيث ارتبط اسم البلاد مراراً وتكراراً بأزمات المجاعة، والجفاف، ونقص الغذاء.
وعلى الرغم من أن الإمكانات الزراعية لإثيوبيا كانت هائلة، إلا أن الفجوة الواسعة بين تلك الإمكانات والإنتاج الفعلي ظلت واحدة من أبرز العوائق الهيكلية أمام نهضتها وتنميتها.
غير أن هذه المعادلة باتت اليوم قيد التغيير والتشكيل من جديد ليس عبر الشعارات والبلاغة الإعلامية، بل من خلال واقع ملموس تتسع رقعته يومياً ليشمل مجالات الإنتاج، والري، والميكنة الزراعية، وتنويع المحاصيل، وإعادة التأهيل البيئي؛ مما أدى إلى تغيير حجم المسار الزراعي الإثيوبي واتجاهه بالكامل.
طفرة القمح التحولية
وكان التحول الأكثر وضوحاً عن الماضي متمثلاً في محصول القمح؛ ففي تحول استثنائي جرى بسرعة قياسية، توسعت مساحات زراعة القمح المروي من 20 ألف هكتار فقط في عام 2020 لتصل إلى 3.5 مليون هكتار بحلول عام 2025.
ووفقاً لبيانات وزارة الزراعة الإثيوبية، بلغ إجمالي إنتاج القمح من المحاصيل الموسمية (المطرية) والمروية (الجافة) 280 مليون قنطار في عام 2025.
وأعلنت البلاد أنها تمكنت من الاستغناء التام عن استيراد القمح الذي كان يبلغ سنوياً نحو 2.6 مليون قنطار، مما وفر للخرينة العامة ما يقارب مليار دولار أمريكي سنوياً من النقد الأجنبي.
ولعل الأهمية الجوهرية لقصة القمح لا تكمن فقط في ضخامة حجم المحصول، بل في التغيير الشامل للتحول الهيكلي لنظام الإنتاج خلفه؛ إذ دفع التوسع في شبكات الري عملية الزراعة إلى ما بعد الحدود التقليدية التي تفرض بواسطة الأمطار المطرية، كما فتحت الأصناف المقاومة للحرارة أفاقاً جديدة للإنتاج في البيئات والأراضي المنخفضة الأكثر حرارة.
وقد جرى دمج الميكنة، والتقنيات، والبذور المحسنة، وإدارة التربة، والبحوث الزراعية، والإرشاد الزراعي، والإنتاج المنظم حول هدف واحد: تحويل الإمكانات النظرية للقطاع إلى طاقة إنتاجية موثوقة ومستدامة.
من الكفاية الذاتية إلى التصدير والتأثير القاري
ولم يتوقف هذا المسار التحولي عند حدود إحلال الواردات والاستغناء عنها؛ ففي فبراير 2023، أطلقت إثيوبيا أولى شحناتها لتصدير القمح إلى الأسواق الدولية. وعقب ذلك، وصف المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، شو دونيو، برنامج إثيوبيا للاكتفاء الذاتي من القمح بأنها “مصدر إلهام” في أفريقيا وعلى المستوى العالمي، داعياً إثيوبيا إلى مشاركة تجربتها مع بقية الدول الأفريقية.
وهذا التمايز يحمل أهمية استراتيجية بالغة؛ فالدولة التي كانت تتطلع سابقاً نحو الخارج لتغطية احتياجاتها من القمح، باتت تعتمد على قدراتها الداخلية لتوفير الإمدادات بل وأصبحت تتطلع إلى التصدير للخارج، مما يمثل تحولاً جذرياً من مرحلة العجز إلى بناء القدرة التنافسية.
اتساع الرقعة الزراعية والتحول الشامل
ولم يكن القمح سوى حقل واحد ضمن مشهد زراعي أوسع نطاقاً؛ إذ يشير مراجعة تقرير حكومي لعام 2026 إلى أن إجمالي الإنتاج الزراعي للبلاد ارتفع من 41.7 مليون طن إلى نحو 150 مليون طن خلال فترة سبع سنوات. كما اتسعت رقعة نظام “الزراعة الجماعية” لتشمل 9.5 مليون فلاح عبر مساحة تبلغ 12.8 مليون هكتار، محققة زيادة في الإنتاجية بنسبة 29% وارتفاعاً في الدخل بنسبة 18%.
وتسارعت وتيرة تنويع المحاصيل، في حين تضاعف إنتاج القهوة تقريباً ليصل إلى نحو مليون طن، محققاً عائدات صادرات قياسية بلغت 2.65 مليار دولار أمريكي في الموسم 2024/2025.
مبادرة “لمات تروفات” ومفهوم السيادة الغذائية
ولم يقتصر هذا التوسع على الإنتاج النباتي؛ ففي إطار مبادرة “لمات تروفات”، عملت إثيوبيا على التوسع في قطاعات الثروة الحيوانية، والداجنة، والاستزراع السمكي، وتربية النحل جنباً إلى جنب مع زراعة المحاصيل.
وأفادت وزارة الزراعة بأن الإنتاج السنوي للحليب ارتفع من 5.8 مليار لتر في عام 2022 إلى 11.7 مليار لتر في عام 2026، مما يعكس جهوداً موسعة لتحويل الثروة الحيوانية إلى أنظمة غذائية منتجة، ودخل للأسر، وسلاسل قيمة تجارية.
وفي هذه المنظومة المتطورة، لم يعد يُنظر إلى الزراعة لمجرد كونها القطاع الذي يطعم السكان، بل أصبحت تُوضع كقاعدة أساسية للتصنيع، وتوليد النقد الأجنبي، والتحول الريفي، وخلق فرص العمل، وبناء المرونة الاقتصادية.
وهنا يلتقي مفهوم “الأمن الغذائي” بـ “السيادة الغذائية”؛ فالأمن الغذائي يتطرق إلى قدرة السكان على الحصول على الغذاء الكافي، بينما تطرح السيادة الغذائية سؤالاً أكثر عمقاً: ما الحجم الذي يمكن للدولة إنتاجه من هذا الغذاء باستخدام أراضيها، ومعارفها، وتقنياتها، وبنيتها التحتية، ومزارعيها، ومؤسساتها الوطنية؟
وما مدى مرونة هذا النظام الإنتاجي عندما تتأثر الأسواق الدولية بالأزمات؟
التجارب الدولية والدرس الإثيوبي أثبتت تجارب السنوات الأخيرة، من جائحات، وحروب، واضطرابات في سلاسل الإمداد، وصدمات أسعار الأسمدة، وتقلبات الأسعار والتغيرات المناخية، أن الاعتماد على سلاسل الإمداد البعيدة يمكن أن يتحول سريعاً إلى نقطة ضعف اقتصادية واستراتيجية.
بالنسبة لإثيوبيا، فإن توسيع الإنتاج المحلي يحمل أبعاداً تتجاوز حدود المزارع؛ فكل طن من القمح يُنتج محلياً يقلل من مخاطر الاستيراد، وكل هكتار مروي يمدد الموسم الإنتاجي، وكل بذرة محسنة تزيد من عائد الأرض والمياه، وكل ربط جديد مع التصنيع الزراعي يقرب القيمة المضافة من المصدر، وكل تكتل إنتاجي ريفي يبني جسراً أقوى بين المزارع والاقتصاد الكلي.
وهذا هو المنطق الذي يكمن وراء تركيز البلاد المتردد على سلاسل القيمة الزراعية بدلاً من الإنتاج المجرد، وهو السبب الذي يجعل التحول الزراعي الإثيوبي مرتبطاً بشكل وثيق بالبحث الأفريقي عن السيادة الغذائية.
وقد وصف بنك التنمية الأفريقي تجربة إثيوبيا في القمح بأنها نموذجية للاقتداء بها في مساعي القارة لرفع الإنتاجية الزراعية، حيث يدمج برنامج القمح المكتفي مناخياً في إثيوبيا بين البذور المحسنة، والري، وصحة التربة، والميكنة، والبنية التحتية لمرحلة ما بعد الحصاد، والوصول إلى الأسواق.
ويضيف ورشة العمل القارية للقمح المنعقدة حالياً في أديس أبابا بعداً آخر لهذا المسار؛ حيث تجمع مسؤولين، وباحثين، وشركات بذور، ومنظمين، وممثلي منظمات المزارعين، وشركاء التنمية لتقييم التجربة الإثيوبية ومناقشة تسريع التحول المستدام للقمح في أفريقيا.
ويبرز التركيز على أنظمة البذور الوطنية وإمكانية الحصول على بذور عالية الجودة أهمية بالغة؛ إذ لا يمكن لتحول بهذه الضخامة أن يعتمد للأبد على محصول واحد أو حملة إنتاجية واحدة، بل تعتمد استدامته على العلوم، والتربية، وتكثير البذور، وصحة التربة، والري، والميكنة، والإرشاد، والتخزين، والأسواق، والقدرة المستمرة على تكييف الأنظمة الزراعية مع تغيرات المناخ.
هندسة الأنظمة الزراعية
بمعنى آخر، أصبح الصعود الزراعي لإثيوبيا مسألة متعلقة بـ “هندسة الأنظمة الزراعية”؛ فسقف الإنتاجية لا يجري كسره بعنصر منفرد، بل عبر تغيير النظام الكامل القائم تحته. ولعل هذا يتجلى بوضوح في المناطق الجغرافية التي توسعت فيها الزراعة؛ ففي الأراضي المنخفضة الإثيوبية، بما فيها المناطق التي كانت تُعرف سابقاً بأنها مناطق للرعي فقط، فتحت مشروعات الري وأصناف القمح المقاومة للحرارة أفاقاً جديدة لإنتاج المحاصيل.
وقد وثق بنك التنمية الأفريقي التوسع السريع للقمح المروي في الأراضي المنخفضة الحارة والجافة، ورابطاً هذا التحول بالبذور المحسنة والتقنيات الحديثة. ولا يعني هذا إلغاء الرعي أو تحويل كل أرض جافة إلى حقل زراعي، بل إن الأهمية تكمن في أن الجغرافيا الزراعية لم تعد تُعامل كأمر ثابت لا يتغير؛ فالمياه، والتقنية، والعلم، والبنية التحتية قادرة على تعديل الإمكانات الإنتاجية.
البصمة الخضراء والزراعة التجديدية
وهذا المبدأ يتعدى حدود القمح ليرتبط مباشرة بتحول آخر أصبح جزءاً لا يتجزأ من المسار التنموي لإثيوبيا: مبادرة “البصمة الخضراء”. منذ إطلاقها في عام 2019، حولت المبادرة إعادة التأهيل البيئي إلى مشروع وطني شامل؛ وفي عام 2026 وحده، زرعت إثيوبيا 805.3 مليون شتلة في حملة استمرت 12 ساعة فقط بمشاركة أكثر من 26.2 مليون مواطن. وبحلول سبتمبر، بلغ إجمالي ما تم غرسه ضمن المبادرة 56.8 مليار شتلة على مدى ثماني سنوات، وفقاً للبيانات الرسمية.
وتكمن أهمية البصمة الخضراء للزراعة تحت الغطاء الشجري الملموس؛ فالتربة، والمياه، والغابات، وأحواض المساقط المائية، والتنوع البيولوجي، والإنتاجية الزراعية ليست أنظمة منفصلة.
فالأراضي المتدهورة تؤدي إلى تآكل القدرة الإنتاجية، والأحواض المائية المتدهورة تقوض الأمن المائي، وتآكل التربة يضعف المرونة الزراعية. وفي المقابل، فإن إعادة التأهيل تعزز القواعد البيئية التي تعتمد عليها الزراعة؛ وتنعكس هذه الرؤية الشاملة في الاستراتيجية الوطنية للزراعة التجديدية لعام 2026، التي تضع صحة التربة، والتنوع البيولوجي، وإدارة المياه في قلب الجهود الموجهة لبناء نظام زراعي أكثر استدامة ومقاومة للتغيرات المناخية.
وهنا تلتقي المسارات الزراعية والبيئية في البلاد؛ فالحقل والغابة لم يعودا قصتين منفصلتين: أحدهما ينتج الغذاء، والآخر يحمي الظروف البيئية التي تجعل الإنتاج المستقبلي ممكناً. ومعاً، يشكلان جزءاً من محاولة وطنية طويلة الأجل لتحويل الأرض إلى أصل تنموي.
الاعتراف الدولي والرؤية المستقبلية
إن الاعتراف الدولي الذي رافق هذا التحول يحمل دلالات هامة؛ ففي يناير 2024، منح مدير عام منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) رئيس الوزراء آبي أحمد “ميدالية أغريكولا”، وهي أعلى وسام تقدمه المنظمة. وربطت الفاو هذا التكريم بالإسهامات الملموسة في التنمية الريفية والاقتصادية، وبرنامج الاكتفاء الذاتي من القمح، ومبادرة البصمة الخضراء.
وأكد مدير عام الفاو أن تجربة إثيوبيا في الاكتفاء الذاتي تعتبر نموذجاً يمكن للدول الأخرى اتباعه. تكمن أهمية هذا الاعتراف في أنه يوضح أن هذا التحول لم يعد يُناقش داخل حدود إثيوبيا فحسب، بل أصبح نقطة مرجعية لحل المشكلات على مستوى القارة؛ فأفريقيا التي تمتلك أراضٍ زراعية شاسعة، وتركيبة سكانية شابة، وإمكانات هائلة، لا تزال عرضة لصدمات الاستيراد والإمدادات العالمية.
إن الطموحات التنموية للاتحاد الأفريقي، بما في ذلك أهداف أجندة 2063، لا تعتمد فقط على الطرق والأسواق والاتفاقيات التجارية، بل على القدرة الإنتاجية لإطعام الشعوب الأفريقية وتوليد القيمة من الموارد القارية. لذلك، فإن الفائض الزراعي يحمل معنى أكبر من مجرد محاصيل إضافية؛ فهو قادر على تغذية المدن، وإمداد الصناعة، وتقليل ضغط الاستيراد، وتوليد الصادرات، وتعزيز الدخل الريفي، ودعم التجارة الإقليمية، وتغيير التوازن بين ما تستهلكه الدولة وما هي قادرة على إنتاجه.
وهذا هو السبب الذي جعل من قصة القمح الإثيوبي بعداً قارياً؛ فالمغزى ليس أن دولة واحدة قد حلت كل تحديات الأمن الغذائي، فإثيوبيا لا تزال تواجه ضغوطاً مناخية، وتفاوتات إقليمية، وقيوداً إنتاجية، واحتياجات غذائية مستمرة، والنظام الزراعي نفسه لا يزال قيد التطوير.
المغزى الحقيقي يكمن في أن دولة تمتلك واحدة من أقوى الإمكانات الزراعية في أفريقيا تحاول تحويل هذه الإمكانات إلى واقع عملي واسع النطاق وتقوم بذلك عبر مزيج من الري، والعلم، والتقنية، وإصلاح الإنتاج، والإعادة البيئية، وتطوير الأسواق.
إن الصعود الزراعي لإثيوبيا ليس مجرد قصة زيادة في الإنتاج؛ بل هو قصة تغيير للسقف الإنتاجي بالكامل. ومع ارتفاع هذا السقف، يتسع أفق ما يمكن أن تقدمه إثيوبيا لسعي أفريقيا نحو مستقبل آمن غذائياً، ومنتج، ومكتفٍ ذاتياً بشكل متزايد.