من الغرس إلى توليد الكهرباء..كيف تدعم “البصمة الخضراء” استدامة سد النهضة
49
أثبتت إثيوبيا عبر مسارها التنموي أن المبادرات البيئية الكبرى ليست مجرد مشاريع لتشجير المساحات، بل هي استراتيجية سيادية متكاملة ترتبط بصلب المشاريع القومية الإستراتيجية، وفي مقدمتها سد النهضة الإثيوبي الكبير.
وتتجلى العزيمة الإثيوبية الصلبة في الاستمرار برعاية مبادرة “البصمة الخضراء” التي أطلقها رئيس الوزراء الدكتور أبي أحمد وفق فلسفة “ميدمير” (التآزر) من خلال التعبئة الشعبية الشاملة وحشد ملايين المواطنين لزراعة مليارات الشتلات سنوياً، لتتحول هذه المبادرة إلى خط الدفاع البيئي الأول والأهم لحماية المنشآت الهيدروليكية والسدود الوطنية.
وعلى رأس هذه الفوائد المباشرة لسد النهضة، تأتي مكافحة الانجراف والحد من تراكم الطمي (الترسبات)؛ إذ تؤدي زراعة ملايين الهكتارات بالأشجار والنباتات إلى تثبيت التربة في الأحواض المائية والروافد والمناطق المنحدرة المغذية لنهر النيل الأزرق.
وتقليل كميات الطمي والانجراف الصخري يتسبب مباشرة في حماية البحيرة الاصطناعية للسد، ويمنع تراجع سعتها التخزينية للمياه، مما يضمن أطول عمر تشغيلي ممكن لهذه المنشأة التنموية الضخمة.
كما تبرز الفائدة الفنية والهندسية المباشرة في استدامة توليد الطاقة الكهرومائية؛ فالحد من الترسبات يحمي التوربينات والمعدات الميكانيكية للسد من التآكل والأعطال الناجمة عن حركة الطمي الكثيف، مما يضمن استمرارية كفاءة التوربينات في توليد الطاقة الكهربائية دون انقطاع، ويقلل من تكاليف الصيانة الدورية الباهظة.
بالإضافة إلى ذلك، تسهم المبادرة في تنظيم التدفقات المائية واستقرار الميزان الهيدرولوجي؛ حيث تعمل الغابات والمساحات الخضراء في الأحواض المائية كإسفنجة طبيعية تمتص مياه الأمطار وتغذي الموارد المائية الجوفية، مما يقلل من حدة الفيضانات المفاجئة ويزيد من استقرار الجريان السطحي للمياه على مدار العام، وهو ما ينعكس إيجاباً على انتظام عملية ملء وإدارة السد.
إن الإرادة الشعبية والمؤسسية التي تجسدها مبادرة “البصمة الخضراء” تؤكد أن إثيوبيا تعتمد رؤية شمولية تربط بين التكيف المناخي، وحماية البيئة، والتنمية الاقتصادية؛ حيث يقف السد كرمز لتوليد الطاقة، وتسانده البصمة الخضراء كدرع حماية طبيعي يضمن استدامة هذا الإنجاز التاريخي للأجيال القادمة.