عقلية فرعونية.. الخطاب المصري الأخير ورؤية إثيوبيا للتعاون الحوضي
353
تحمل التصريحات الأخيرة الصادرة عن القاهرة دلالات لافتة؛ فبينما تسير القارة الأفريقية بخطى حثيثة نحو التحول والتكامل، تبدي بعض الطروحات الإقليمية تمسكاً بأساليب تعود إلى حُقب قديمة.
وتجلّى هذا النهج في التصريحات الأخيرة لوزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، أمام مراسلين أجانب في القاهرة، حيث اعتبر أن المسؤولين الإثيوبيين “بحاجة إلى التعلم” للتمييز بين البناء داخل الحدود الوطنية وإنشاء سد على نهر دولي، مقارنا بناء السدود بفرش السجاد في المنزل، ورافضاً الحقوق السيادية لإثيوبيا في إدارة مشاريعها المائية على نهر النيل.
تتجاوز هذه التصريحات كونها مجرد سجال سياسي عابر؛ إذ تسلط الضوء على المسألة الجوهرية في ملف النيل: هل يُسمح لدولة أفريقية باستغلال مواردها الطبيعية الواقعة ضمن أراضيها السيادية لدفع عجلة التنمية مع احترام حقوق جيرانها، أم أن التنمية الوطنية مرهونة بموافقة دول المصب؟
وقد كان موقف إثيوبيا ثابتاً ومبدئياً: لا يمكن ارتهان مسار التنمية الوطنية لـ “فيتو” خارجي إلى أجل غير مسمى.
غير أن هذا الموقف لا يعني أبداً اعتبار الأنهار العابرة للحدود ملكاً أحادياً؛ فالقانون الدولي للمجاري المائية يقر بمبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، ويكفل الالتزام بمنع وقوع ضرر ذي شأن للدول الشريكة، إلى جانب التأكيد على مبادئ التعاون والعمل المشترك.
وتستند إثيوبيا في رؤيتها إلى هذه المبادئ الدولية تحديداً، مشددة على أن القانون الدولي يمنع الضرر ولكنه لا يمنح دولة المصب حق الوصاية على الموارد الطبيعية لدول المنبع.
ويُمثل هذا التمييز الركيزة الأساسية للموقف الإثيوبي؛ فسد النهضة بني داخل الأراضي الإثيوبية كإنجاز سيادي مخصص لتوليد الطاقة الكهرومائية على نهر أباي، على بعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود السودانية.ومن ثَمَّ، فإن الهدف الرئيسي للمشروع هو إنتاج الكهرباء وليس الاستهلاك الدائم للمياه.
وهذه الحقيقة الفنية غالباً ما تغيب وسط تجاذبات الخطاب السياسي. فالماء الذي يمر عبر التوربينات لتوليد الطاقة يعود ليواصل تدفقه الطبيعي نحو دول المصب؛ وعلى الرغم من إمكانية حدوث تنظيم زمني للتدفقات أو تبخر طبيعي في الخزان، إلا أن توليد الطاقة يختلف جوهرياً عن الاستخدامات الاستهلاكية كالري.
وبالتالي، تكمن الوظيفة التنموية للسد في تحويل الطاقة الهيدروليكية إلى كهرباء مع ضمان استمرار التدفق المائي. ولم تعد هذه الطاقة مكسباً محلياً فحسب، بل تحولت إلى ركيزة للربط الإقليمي.
وتؤكد بيانات شركة الكهرباء الإثيوبية أن البلاد تصدر الطاقة حالياً إلى كينيا وجيبوتي والسودان وتنزانيا، حيث يسهم سد النهضة بنسبة 52% من إيرادات تلك الصادرات، مما يعزز توجه إثيوبيا نحو التكامل الاقتصادي والتنموي في المنطقة.
إن النهر يمكن التعامل معه كحد فاصل للمصالح، أو كشريان حيوي يربط بين الاقتصادات. وتتبنى إثيوبيا الخيار الثاني، داعية إلى تحويل الأنهار المشتركة إلى أدوات للتكامل والرخاء المتبادل.
وفي هذا السياق، تسهم التدفقات المنظمة لسد النهضة في الحد من ذروة الفيضانات الموسمية لحماية مجتمعات المصب، وتدعمها مبادرة البصمة الخضراء عبر مشاريع التشجير وإعادة تأهيل الأحواض المائية لضمان استدامة بيئة الحوض ككل.
وتكشف مقارنة الطرحين عن مفارقة واضحة: فبينما يركز الخطاب المصري على تقييد التحركات الإثيوبية، تجسد إثيوبيا رؤيتها عملياً من خلال إنتاج الطاقة، وتوسيع شبكات الربط الإقليمي، وتنظيم التدفقات المائية، واستصلاح البيئة الطبيعية للنهر.
إن حماية أمن الحوض واستدامته لا تتحقق بالجدال حول حصص التدفق عند المصب فحسب، بل بحماية البيئة التي تنبع منها هذه المياه. ونهر أباي الذي ينبع من الهضبة الإثيوبية يتطلب استثماراً بيئياً لحماية غاباته وروافده، وهو ما تقوم به إثيوبيا تعزيزاً للتنمية الوطنية وصوناً للسلامة البيئية للنهر بأكمله.
ختاماً، إن الخيار الماثل أمام دول حوض النيل هو خيار بين مفهوم قديم يعتمد السيطرة الأحادية، ومفهوم حديث يقوم على الشراكة والمنافع المشتركة.
إن رسالة إثيوبيا تأتي لتؤكد أن الشعوب الأفريقية لن تبقى في موقع المتفرج على مواردها التنموية، وأن الاستجابة لمتطلبات المستقبل تتطلب التخلي عن الأطُر القديمة والمضي قدماً وفق مبادئ السيادة، والاستخدام المنصف، والمسؤولية المشتركة، والازدهار الإقليمي المتكامل.