مكانة الحبشة في الإسلام.. ارض الهجرتين وموطن الصدق
66
تحتل الحبشة ، مكانة مميزة في التاريخ الإسلامي، إذ ارتبط اسمها بالهجرتين الأولى والثانية لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمواقف إنسانية شكلت إحدى الصفحات المضيئة في العلاقات بين الشعوب والأديان.
ويقول نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا الشيخ حامد موسى – في حديثه لبودكاست فانا عربي- إن الحبشة في الأزمنة القديمة كانت إقليمًا واسعًا يضم مناطق من إثيوبيا الحالية وجيبوتي وإريتريا وأجزاء من السودان والصومال، وكانت البلاد تدين بالمسيحية قبل أن يصلها الإسلام في بدايات الدعوة.
مع اشتداد الاضطهاد الذي تعرض له المسلمون الأوائل في مكة، نصح النبي محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، قائلا: «إن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد»، ويرى الشيخ موسى أن هذا الوصف النبوي يعكس طبيعة المجتمع الحبشي آنذاك، حيث كان معروفًا بالعدل واحترام الضيوف والوفود، الأمر الذي جعلها ملاذًا آمنًا للمسلمين الأوائل.
وقد هاجر إلى الحبشة في الهجرتين الأولى والثانية عدد من الصحابة، بينهم جعفر بن أبي طالب ورقية بنت النبي محمد، إضافة إلى عدد من كبار الصحابة الذين وجدوا في تلك البلاد الأمن والحماية.
كان الذي يحكم الحبشة في تلك الفترة الملك النجاشي أصحمة بن أبجر، وقد عُرف بعدله ورفضه تسليم المسلمين إلى وفد قريش الذي قدم إلى بلاده مطالبًا بإعادتهم إلى مكة.
ويروي الشيخ موسى أن النجاشي تأثر عندما تلا عليه جعفر بن أبي طالب آيات من القرآن الكريم تتحدث عن مريم وعيسى عليهما السلام، فبكى متأثرا، كما رفض الملك الحبشي الهدايا التي قدمها وفد قريش في محاولة لاسترداد المسلمين، وأصر على حمايتهم، في موقف أصبح رمزًا للعدالة في التاريخ الإسلامي.
وترتبط الحبشة أيضًا بعدد من الشخصيات التي تركت أثرًا كبيرًا في التاريخ الإسلامي، أبرزهم الصحابي بلال الحبشي، أول مؤذن في الإسلام، والذي أصبح رمزًا للمساواة والعدالة في المجتمع الإسلامي.
ويشير موسى إلى أن تقدير المسلمين لبلال الحبشي ما زال حاضرًا حتى اليوم في عدد من البلدان الإسلامية، حيث يُذكر اسمه بالدعاء بعد الأذان في بعض المساجد تقديرًا لدوره التاريخي.
كما ارتبطت الحبشة بأسماء أخرى في التاريخ الإسلامي، من بينها أم أيمن حاضنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إضافة إلى أسامة بن زيد الذي ينحدر من أصول حبشية.
ويفسر الشيخ موسى وصف النبي صلى الله عليه وسلم للحبشة بأنها «أرض صدق» بأنه إشارة إلى القيم الأخلاقية التي تميز بها المجتمع آنذاك، وعلى رأسها الصدق والعدل واحترام الإنسان.
ويرى أن هذا الوصف يمثل في الوقت نفسه “تزكية تاريخية” لتلك الأرض وأهلها، كما يحمل دعوة دائمة إلى التمسك بقيم الصدق في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ومن المواقف التي تعكس مكانة الحبشة في الوجدان الإسلامي ما رُوي عن استقبال النبي صلى الله عليه وسلم لوفد قدم من عند النجاشي، حيث بادر بخدمتهم بنفسه.
وعندما عرض عليه الصحابة القيام بذلك بدلاً عنه، قال: «إنهم كانوا لأصحابي مكرمين، فأحب أن أكافئهم»، في موقف يجسد تقدير النبي لأهل الحبشة وتواضعه في الوقت نفسه.
ويشير الشيخ موسى إلى أن انتشار الإسلام في إثيوبيا مر بمراحل تاريخية طويلة امتدت لأكثر من 1400 عام، شهدت خلالها البلاد فترات من التحديات والصراعات، قبل أن يتوسع حضور المسلمين تدريجيًا.
ووفق تقديرات المؤسسات الإسلامية، يبلغ عدد المسلمين في إثيوبيا اليوم نحو 70 مليون نسمة، أي ما يقارب 65% من السكان، فيما يصل عدد المساجد إلى نحو 90 ألف مسجد في مختلف أنحاء البلاد.
ويقول موسى إن واقع المسلمين في إثيوبيا شهد تحسنًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، خاصة مع توسع هامش الحريات الدينية والسماح بإنشاء مؤسسات اقتصادية إسلامية، من بينها البنوك الإسلامية.
كما أُسس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمرسوم برلماني ليكون مؤسسة تمثل المسلمين وتنظم شؤونهم الدينية، في بلد يقوم نظامه على العلمانية.
وفي هذا السياق، أوضح أن المجلس أجرى قبل نحو أربعة إلى خمسة أشهر انتخابات شاملة شارك فيها نحو 13.2 مليون مسلم لاختيار قيادة جديدة، في خطوة تهدف إلى تطوير العمل الديني والمؤسسي.
وأضاف أن المجلس يضم هيئة علمية تُعرف باسم هيئة العلماء، تتولى إصدار الفتاوى وإعداد البحوث الشرعية ودراسة القضايا الدينية، مؤكدًا أن نشاطها العلمي والدعوي يشهد تطورًا ملحوظًا.
وتبقى الحبشة، في الذاكرة الإسلامية، أرضًا ارتبط اسمها بالعدل والصدق واحتضان المظلومين، وهي القيم التي جعلتها أول ملاذ للمسلمين في بدايات الإسلام.
ويؤكد الشيخ موسى أن هذا الإرث التاريخي لا يزال مصدر فخر للمسلمين في إثيوبيا، الذين يرون في تاريخ الهجرة الأولى رمزًا للتعايش والتسامح بين الشعوب والأديان.