الرحلة الاستراتيجية لتحويل إثيوبيا إلى مركز للطاقة في أفريقيا
52
دخلت جهود إثيوبيا الرامية إلى تحويل مواردها الطبيعية إلى قوة اقتصادية وسياسية متقدمة، وتعزيز الترابط الإقليمي، مرحلة جديدة من التطور.
وباتت موارد البلاد من الطاقة المتجددة لا تُعد مجرد مياه جارية، بل تمثل قوة وطنية رئيسية ضمن إطار الدبلوماسية الاقتصادية.
وأصبح توفير الطاقة خيارًا أساسيًا يدعم الثورات التكنولوجية الحديثة، والاقتصاد الرقمي، وبناء تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وانطلاقًا من ذلك، برزت رؤية تحويل إثيوبيا إلى مركز للطاقة في أفريقيا، مع التركيز على توظيف الترابط في قطاع الطاقة كأداة لتعزيز الثقة السياسية بين دول المنطقة.
وتشير الإنجازات التي تحققت خلال السنوات القليلة الماضية إلى أن إثيوبيا نجحت في تحويل تعهداتها إلى واقع عملي، عبر أصبحتها مزودًا رئيسيًا للطاقة الكهربائية لكل من السودان وجيبوتي وكينيا.
كما أن سد النهضة الإثيوبي الكبير، ومشروع كويشا، وغيرها من مشروعات الطاقة المتجددة الضخمة، لم تعد تقتصر على تلبية احتياجات البلاد فحسب، بل أصبحت جسورًا لتعزيز التنمية المشتركة والترابط الإقليمي.
ويُنظر إلى هذا التوسع في مجال الطاقة المتجددة ليس باعتباره قطاعًا تقنيًا فقط، بل كأحد مؤشرات السيادة الوطنية والقيادة الإقليمية.
وفيما يتعلق بتوسيع شبكات الترابط الإقليمي، يمثل مشروع التجربة الأولية لبيع الكهرباء إلى تنزانيا خطوة مهمة تعكس حجم التقدم المحقق.
وعلاوة على ذلك، وضعت إثيوبيا أسس الاستخدام السلمي للطاقة النووية مستقبلاً، من خلال إنشاء المفوضية الإثيوبية للطاقة النووية، وإبرام الاتفاقيات والأطر الدولية ذات الصلة.
كما عملت البلاد على مد خطوط نقل كهرباء عابرة للحدود لتعزيز الربط الكهربائي مع دول الجوار.
ويعكس ذلك استراتيجية تقوم على تنويع مصادر الطاقة باعتبارها عنصرًا أساسيًا لضمان الأمن الطاقي في القرن الحادي والعشرين.
وترى الحكومة أن بعض الآراء التي تصف تصدير الكهرباء إلى دول الجوار بأنه خسارة، تنطلق من فهم قاصر للمصالح الوطنية بعيدة المدى.
فالتكامل في مجال الطاقة لا يقتصر على التبادل التجاري فقط، بل يمثل أداة دبلوماسية تعزز التأثير الإيجابي الشامل لإثيوبيا.
وعندما تحصل دول الجوار على الكهرباء الإثيوبية وتتحرك صناعاتها، فإن ذلك يشكل ضمانة مهمة للأمن الوطني والاستقرار الإقليمي.
وفي السياق ذاته، فإن توظيف الطاقة النووية في مجالات الطب والزراعة والإنتاج الصناعي من شأنه تسريع مسيرة إثيوبيا نحو التحول إلى قوة تكنولوجية متقدمة.
وبدأت النتائج العملية لهذه الجهود تظهر تدريجيًا، حيث يجري توظيف عائدات النقد الأجنبي المتأتية من صادرات الكهرباء في دعم مشاريع التنمية الوطنية.
كما تعزز تأثير إثيوبيا في تحقيق السلام والاستقرار الإقليمي، في وقت وفر فيه توسع قطاع الطاقة آلاف فرص العمل للمواطنين في مجالات الهندسة والتكنولوجيا.
وباتت إمدادات الطاقة الموثوقة تمثل العمود الفقري للصناعات المحلية، بما يعكس فلسفة “التكامل” القائمة على تحقيق المنفعة المشتركة، وبناء منظومة تصبح فيها الدول ضمانًا متبادلاً لاستقرار بعضها البعض.
ووضعت الحكومة خططًا واضحة للارتقاء بقدرات البلاد في مجال الطاقة، مع العمل على توسيع شبكات تصدير الكهرباء من منطقة القرن الأفريقي وصولًا إلى شمال أفريقيا وأوروبا.
كما تعمل إثيوبيا، إلى جانب الطاقة الكهرومائية، على توسيع استثماراتها في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحرارية الأرضية، بهدف إنشاء منظومة متنوعة ومستقرة للطاقة.
وتواصل البلاد جهودها لتلبية احتياجاتها المحلية بالكامل من الكهرباء، والتحول إلى “بنك للطاقة” الرئيسي في المنطقة، بما يضمن وصول الكهرباء إلى المواطنين وتعزيز مكانتها الإقليمية في قطاع الطاقة.