Fana: At a Speed of Life!

الوصول إلى البحر.. مفتاح التنمية في إثيوبيا

أصبحت قضية الوصول إلى البحر في العصر الحديث من أكثر القضايا ارتباطًا بالنمو الاقتصادي، والأمن القومي، والتجارة الدولية، والتكامل الإقليمي.

وبالنسبة لإثيوبيا، التي يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، فإن الوصول إلى منفذ بحري لا يُعد قضية سياسية آنية أو موضوعًا للنقاش الظرفي، بل يمثل ركيزة استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة وضمان مستقبل اقتصادي أكثر ازدهارًا.
وقد تمتعت إثيوبيا عبر تاريخها بعلاقة مباشرة مع البحر الأحمر، إلا أنها منذ عام 1991 أصبحت دولة غير ساحلية، ما اضطرها إلى الاعتماد على موانئ الدول المجاورة، وفي مقدمتها ميناء جيبوتي، لنقل معظم وارداتها وصادراتها.
وأدى هذا الوضع إلى ارتفاع تكاليف النقل والتجارة، وتعقيد العمليات اللوجستية، وزيادة الاعتماد على ممر نقل واحد، الأمر الذي فرض أعباءً اقتصادية إضافية وأثر في القدرة التنافسية للاقتصاد الإثيوبي.
وفي إطار القانون الدولي، تُعد سيادة الدول ووحدة أراضيها مبادئ راسخة لا تقبل المساس، وفي الوقت نفسه تكفل الاتفاقيات الدولية للدول غير الساحلية حق الوصول إلى البحر عبر الوسائل القانونية، سواء من خلال الاتفاقيات الثنائية أو الترتيبات الإقليمية أو الأطر الدولية ذات الصلة.
وتتناول قضية البحر من زاويتين مختلفتين؛ الأولى هي ملكية البحر أو الموانئ، وهي مسألة ترتبط بالسيادة الوطنية للدول الساحلية، والثانية هي حق الوصول إلى البحر، الذي يمنح الدول غير الساحلية إمكانية استخدام الموانئ والمنافذ البحرية بصورة قانونية ومتفق عليها.
ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي لا يتمثل في “لمن تعود ملكية البحر؟”، وإنما في “كيف تستطيع إثيوبيا أن تؤمن وصولًا قانونيًا، ومستدامًا، وآمنًا، ومنخفض التكلفة إلى البحر بما يخدم مصالحها التنموية؟”.
وتحتاج إثيوبيا إلى منفذ بحري فعّال لتطوير قطاعها الصناعي، وزيادة قدرتها على تصدير المنتجات الزراعية بأسعار تنافسية، واستغلال ثرواتها المعدنية بصورة أفضل، وتوسيع حجم تجارتها الخارجية، وتعزيز اندماجها في الاقتصاد العالمي.
كما أن خفض تكاليف النقل والخدمات اللوجستية سينعكس مباشرة على انخفاض تكلفة الإنتاج، وزيادة جاذبية البلاد للاستثمارات، وخلق المزيد من فرص العمل، وتعزيز عائدات النقد الأجنبي، وهو ما يجعل الوصول إلى البحر أحد أهم مرتكزات التنمية الاقتصادية.
ومن جانب آخر، فإن التعاون الإقليمي يمثل عنصرًا أساسيًا لمعالجة هذه القضية بصورة مستدامة، فالقرن الأفريقي يتمتع بموقع جيوسياسي واستراتيجي يجعله أحد أهم الممرات التجارية في العالم، غير أن تحويل هذه الميزة إلى مكاسب تنموية يتطلب تعزيز التعاون بين دول المنطقة بدلًا من التنافس والصراع.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير الموانئ، وخطوط السكك الحديدية، وشبكات الطرق، والربط الكهربائي، والممرات التجارية بصورة مشتركة، من شأنه أن يحقق مصالح متبادلة لجميع دول الإقليم، ويخلق فرصًا أوسع للنمو الاقتصادي والتنمية المشتركة.
كما أن ترسيخ السلام والاستقرار، وضمان حرية التجارة والتنقل، من شأنه أن يهيئ بيئة مناسبة لمعالجة قضية الوصول إلى البحر بروح الشراكة والمصالح المشتركة، بعيدًا عن النزاعات، بما يضمن تحقيق منافع متبادلة لجميع الأطراف.
وتؤمن إثيوبيا بأن الحصول على منفذ بحري موثوق يشكل جزءًا لا يتجزأ من مسيرتها التنموية، وفي الوقت نفسه تؤكد أهمية احترام سيادة الدول المجاورة ووحدة أراضيها، باعتبار ذلك أساسًا لاستقرار المنطقة وأمنها.

ومن هذا المنظور، فإن مستقبل قضية الوصول إلى البحر ينبغي أن يقوم على الحوار بدلًا من الصراع، وعلى التفاوض بدلًا من المواجهة، وعلى التعاون بدلًا من التنافس، وعلى تحقيق المصالح المشتركة والازدهار الجماعي بدلًا من منطق الغلبة، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة في القرن الأفريقي بأسره.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.