سد النهضة الإثيوبي .. صرح هندسي يُعيد تشكيل المستقبل الاقتصادي لأفريقيا
48
يقف سد النهضة الإثيوبي الكبير اليوم بارتفاعه البالغ 145 متراً وامتداده على مساحة 1.8 كيلومتر كمشهد يجسد الإرادة الوطنية؛ إذ يُعد أحد أكبر المشاريع الهيدروكهربائية في القارة الأفريقية برمتها.
وحول القدرة الإنتاجية لهذا الصرح، أوضح المهندس كفلي هورو، مدير مشروع سد النهضة، في مقابلة خاصة مع شبكة “سي إن إن” (CNN)، أن المحطة تم تصميمها بقدرة تركيبية تصل إلى نحو 5,150 ميغاوات من الطاقة الكهربائية، وهو ما يسهم في رفع إنتاج الطاقة في البلاد بأكثر من 50%.
تحديات لوجستية وتمويل شعبي خالص
شُيّد السد على مجرى نهر آباي الشهير؛ حيث انطلقت أعمال البناء في عام 2011، واستغرق إنجازه أكثر من 14 عاماً حتى افتتاحه رسمياً في سبتمبر من العام الماضي، وقد رافقت هذا الإنجاز معارك لوجستية معقدة؛ وعن ذلك يقول المهندس كفلي هورو في تصريحه لـ “سي إن إن”:
“واجهنا تحديات لوجستية هائلة؛ فنحن نبعد نحو 1,400 كيلومتر عن ميناء جيبوتي وكانت الشحنات والمعدات الضخمة تستغرق ما بين 60 إلى 90 يوماً لنقلها من الميناء وحتى وصولها إلى موقع المشروع.”
ورغم التكلفة الإجمالية للمشروع التي تراوحت بين 4.2 إلى 5 مليارات دولار أمريكي، إلا أن السد شُيّد بتمويل إثيوبي خالص دون الحصول على فلس واحد من الخارج، حيث تكاتف الشعب الإثيوبي بكافة أطيافه لتمويله عبر التبرعات الشعبية، والسندات الحكومية الخاصة، والميزانية الوطنية.
وأكد المهندس كفلي هورو هذا البعد قائلاً: “هذا مشروع ممول ذاتياً بالكامل بأيدي وإسهامات الإثيوبيين أنفسهم.”
التنازع المائي ومبدأ الاستخدام المنصف
وعلى الرغم من أهمية المشروع التنموية، إلا أنه أثار جدلاً إقليمياً حول توزيع مياه نهر النيل بين سعي إثيوبيا لتوليد الكهرباء ومخاوف مصر من تأثر إمداداتها المائية. ورداً على هذه المخاوف، أوضح مدير المشروع المهندس كفلي هورو رؤية إثيوبيا قائلاً:
“هذا المشروع لا يستهلك المياه؛ فكل ما يدخل إلى السد يخرج منه، ولا أعلم لماذا يتم التركيز على هذه النقطة التحدي الوحيد كان خلال فترة الملء التي استغرقت منا خمس سنوات إن الخيار الأفضل للجميع هو التعايش السلمي، ولتحقيق هذا التعايش يجب استغلال الموارد المتاحة بطريقة عادلة ومستدامة دون إلحاق ضرر ملموس بدول المصب، وهذا هو المبدأ الذي تروج له إثيوبيا دائماً.”
شريان طاقة يضيء ملايين المنازل ويتجاوز الحدود
في قلب السد، تعمل منظومة توربينات معقدة على تحويل تدفق المياه إلى طاقة كهربائية تضيء ملايين المنازل وفي هذا الصدد، أشار الأستاذ بانتاملاك ميكونين، أحد مدراء مشروع سد النهضة، في حديثه لـ “سي إن إن”، إلى أن السد يضم 13 توربيناً توفر الإمدادات الكهربائية لنحو 6 ملايين منزل في إثيوبيا.
ولا تتوقف ثمار هذا المشروع عند حدود إثيوبيا، بل تمتد لتزويد دول الجوار بالطاقة وحول الربط الإقليمي، بيّن المهندس كفلي هورو:
“نحن مرتبطون حالياً بشبكة الكهرباء في كينيا ونزودها بنحو 200 ميغاوات، بينما تصل القدرة الاستيعابية لخط النقل إلى 2,000 ميغاوات كما أننا مرتبطون بشبكات جيبوتي والسودان، وأنجزنا الربط الأول مع تنزانيا، ونخطط مستقبلاً للربط مع الصومال وجنوب السودان، وخلال سنوات قليلة، ستكون منطقة شرق أفريقيا مترابطة بالكامل عبر الطاقة، مما يمنح إثيوبيا مصدراً مهماً لتوليد الإيرادات.”
آفاق سياحية واعدة ومستقبل اقتصادي جديد
وإلى جانب إنتاج الكهرباء وتصديرها، تسعى الحكومة الإثيوبية للاستفادة من الموارد الجديدة التي خلقها المشروع؛ إذ أشار المهندس كفلي هورو لشبكة “سي إن إن” إلى تشكّل نحو 72 جزيرة وبحيرة صناعية في محيط السد، تُدرس حالياً خيارات تحويلها إلى مراكز جذب سياحي عالمية، أسوة بسد “هوفر” في الولايات المتحدة، وسد “إيتايبو” في البرازيل، وسد “المضائق الثلاثة” في الصين مؤكداً أن هذه المخططات قيد التقييم وستدخل مرحلة التنفيذ العملي قريباً.
من إضاءة المنازل وتصدير الطاقة، إلى جذب السياحة والاستثمار؛ يثبت سد النهضة الإثيوبي الكبير أنه ليس مجرد مشروع كهرومائي، بل محرك رئيسي يُعيد رسم ملامح المستقبل الاقتصادي لإثيوبيا والمنطقة بأكملها.