Fana: At a Speed of Life!

العقلانية الإثيوبية في إدارة مياه النيل وأسطورة “النقص المائي”

الاستخدام المنصف والمنفعة المشتركة

منذ اللحظة الأولى التي وُضع فيها حجر الأساس لمشروع سد النهضة الإثيوبي ، لم تكن إثيوبيا تسعى سوى لانتزاع حقها الطبيعي والسيادي في التنمية، مع الحرص التام على إرساء قاعدة عمادها “الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، والمنفعة المشتركة لجميع دول الحوض”.

هذا المبدأ الراسخ لم يكن مجرد شعار دبلوماسي لامتصاص التوترات، بل استراتيجية عمل حقيقية ونهج ثابت تواصل أديس أبابا التمسك به حتى اليوم، إيماناً منها بأن النيل يجب أن يكون شرياناً للترابط الإقليمي وليس ساحة للنزاعات الصفريّة.

وعلى مدى السنوات الماضية، أثبتت إثيوبيا عملياً عبر مراحل الملء والتوافق الفني أن مشروعها الكهرومائي لا يهدف إلى الإضرار بأحد، فلم تتسبب عمليات بناء السد أو تشغيله في تقليل كمية المياه لمصر أو أي من دول المصب، بل على العكس؛ أسهم تنظيم تدفقات المجرى المائي في حماية الدول المجاورة من الفيضانات الكارثية وزيادة كفاءة إدارة الحوض.

غير أن المتأمل في تفاصيل المشهد المائي الإقليمي، يجد بوضوح أن الخطاب الداعي لتخويف المنطقة من “جفاف محتمل” لا يتسق مع واقع إدارة الموارد المائية على الأرض. فعندما تصل السدود في مصر إلى السعة التشغيلية القصوى أو الامتلاء الكامل، تُصرَّف كميات هائلة ومطردة من الفائض المائي نحو مناطق صحراوية ومفيضات متسعة، لتتعرض هذه الكميات الضخمة للتبخر والتشتت دون أن تُستغل في مشروعات تنموية أو زراعية ملموسة.

وهنا يطرح سؤال نهجي ونفعي جوهري نفسه: لو كان المسعى الفعلي والدائم هو الاستفادة القصوى من كل قطرة مياه، فلماذا تُترك تلك الكميات الهائلة لتهدر في الصحراء؟

الإجابة الواضحة والمجردة تشير إلى أن المزاعم الحالية حول حرج الوضع المائي لا تعكس أزمة

وفرة حقيقية، بل تعكس التزاماً بأنماط تاريخية في السيطرة المائية.
إن عدم استغلال الفوائض المائية أثناء فترات الوفرة يبرهن بما لا يدعو للشك على أن الإشكال لم يكن يوماً في شح المياه، بل في الرغبة بفرض الاحتكار السياسي وحرمان دول الأعالي من أبسط حقوقها في استخدام مياهها لتوليد الطاقة وانتشال ملايين من مواطنيها من الفقر الداقع.

إن رؤية إثيوبيا لسد النهضة تأتي ضمن منظور استراتيجي متكامل؛ فالطبيعة الجغرافية والمناخية لمنطقة الهضبة الإثيوبية جعلت من تخزين المياه فيها خياراً أكثر كفاءة وأقل عرضة للتبخر مقارنة بالمناطق الحارة شديدة الجفاف.

ومن هذا المنطلق، فإن سد النهضة أُنشئ ليكون خزانًا يحمي الإقليم بأكمله، ويكفل توليد الطاقة النظيفة التي يمكن أن تفيض على دول الجوار وتدعم التكامل الاقتصادي لشبه المنطقة.

إن الاستمرار في تجاهل هذه الحقائق الناصعة، والإصرار على تصوير مشروع تنموي مخصص لتوليد الكهرباء على أنه تهديد وجودي، لن يغير من الحقيقة في شيء.

إثيوبيا لم تمنع قطرة ماء واحدة عن دول المصب، ولن تتراجع عن نهجها القائم على التنمية المتوازنة والمنفعة الشاملة لكل شعوب حوض النيل.

لقد حان الوقت للانتقال من منطق الهيمنة الأحادية إلى رحاب التعاون الإقليمي البنّاء الذي يعود بالخير المستدام على الجميع.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.