حق طبيعي وتاريخي.. لماذا يظل منفذ البحر مسألة وجودية لإثيوبيا؟
150
يُعد النفاذ المباشر إلى البحر أحد أهم الركائز التي تُحدد بقاء الدول، وقوتها الاقتصادية، وزيادة نفوذها الجيوسياسي؛ إذ تمثل الموانئ الشريان الحيوي لشرايين التجارة العالمية، ورابطاً استراتيجياً ينظم أطر السيادة والتواصل بين القارات.
وبالنسبة لإثيوبيا، لا تقف مسألة المنفذ البحري عند حدود المزايا التجارية فحسب، بل تتجاوزها لتكون قضية تاريخية وجغرافية واستحقاقاً عادلاً؛ إذ تؤكد شواهد التاريخ أن الدولة الإثيوبية أدارت على مدى عهود طويلة حركة التجارة البحرية، وكان لها حضور فاعل على الشواطئ الممتدة.
كما أن العامل الجغرافي يضع البلاد على مقربة مباشرة من البحر الأحمر وخليج عدن، غير أن الظروف التاريخية والتقلبات السياسية خلال العقود الثلاثة الماضية فرضت على دولة ذات ثقل سكاني واقتصادي كبير وضعية الدولة المغلقة بحرياً.
فقد استمدت حضارة أكسوم القديمة مكانتها بين إمبراطوريات العصر من إشرافها على خطوط الملاحة وتسيير الأسطول البحري الناشط بين الهندود والرومان، ما يوضح عمق الارتباط التاريخي بين البلاد والمجال البحري.
وفي الوقت الراهن، فإن استمرار وضعية الدولة المغلقة بحرياً لبلد يتجاوز عدده 130 مليون نسمة، ويتمتع باقتصاد متنامٍ وحضور ضمن مجموعة “بريكس”، يمثل تحدياً هائلاً من منظور التكافؤ الاقتصادي؛ إذ تُنفق أديس أبابا مليارات الدولارات سنوياً مقابل خدمات الموانئ، ما يشكل عبئاً متزايداً على وتيرة النمو.
ومن هذا المنطلق، تتبنى الحكومة الإثيوبية رؤية تقوم على استخدام الوسائل السلمية والأدوات الدبلوماسية لمعالجة هذه المسألة الوجودية، والتخلص من قيود العزلة الجغرافية، معتمدةً على مبادئ التنمية المشتركة، والمنفعة المتبادلة، وتبادل المصالح الاقتصادية كخيار استراتيجي.
إن امتلاك منفذ بحري بالنسبة لإثيوبيا يتجاوز كونه تسهيلاً تجارياً ليصوب إلى حماية الأمن القومي، وصون السيادة، واستعادة التوازن الجيوسياسي في المنطقة، وهو ما يتطلب تضافر الجهود الوطنية لدعم هذا التوجه الاستراتيجي.