تقرير مجلة “تايم”: كيف يكسر سد النهضة الرواية القديمة للنيل ويفتح الفصل التالي لأفريقيا
62
في مقال تحليلي موسع، وضعت مجلة “تايم أفريقيا” سد النهضة بعيداً عن الحدود الضيقة لنزاع النيل المعتاد، مصورةً المشروع التاريخي كواحد من أبرز قصص البنية التحتية المؤثرة في أفريقيا، ومحفزاً محتملاً لعهد جديد من الطاقة والتكامل والازدهار المشترك على مستوى القارة.
المقال الذي نُشر تحت عنوان: “القوة لتوحيد أفريقيا”، يرى أن سد النهضة هو أكثر من مجرد مشروع لتوليد الكهرباء من مساقط المياه. فالسد المقام على نهر أباي (النيل الأزرق) يمثل ما يمكن أن تحققه الطموحات الأفريقية، رأس المال الأفريقي، والتعاون الإقليمي، لإمكانية تحويل نهر كان محلاً للنزاع إلى قاعدة للاعتماد الاقتصادي المتبادل. وتصف مجلة “تايم” سد النهضة بأنه يتجه ليصبح “واحدة من أعظم القصص الأفريقية في عصرنا”، معزيّة ذلك إلى حجمه كأكبر محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا وأحد أكثر مشاريع البنية التحتية طموحاً في القارة.
فمع قدرة إنتاجية مثبتة تتجاوز 5,000 ميغاوات، يملك المشروع القدرة على إعادة تشكيل مشهد الطاقة في إثيوبيا، وتسريع التصنيع، وتغذية سوق إقليمية متنامية ومترابطة بالكهرباء. ومع ذلك، فإن رؤية “تايم” تذهب إلى ما هو أعمق بكثير من مجرد القدرة التوليدية للسد؛ إذ تحدد سد النهضة كفرصة لإعادة التفكير في كيفية تمويل الدول الأفريقية للتنمية، وبناء البنية التحتية واسعة النطاق، وإدارة الموارد الممتدة عبر الحدود الوطنية.
مشروع أفريقي بُني برأس مال أفريقي
أحد أكثر الجوانب أهمية التي أبرزتها مجلة “تايم” في سد النهضة هو الطريقة التي تم بها تمويله. فبدلاً من الاعتماد المفرط على التمويل التقليدي للمشاريع الدولية، تم تمويل المشروع بشكل أساسي من خلال الموارد الحكومية الإثيوبية، والاقتراض المحلي، والسندات التي اشتراها الإثيوبيون في الداخل والخارج. ومكنت “سندات سد النهضة” المواطنين وأبناء الجالية الإثيوبية في الخارج من المشاركة الماليّة في مشروع قُدّم كجزء من التنمية الوطنية للبلاد.
بالنسبة لمجلة “تايم”، فإن هذا البعد يستحق اهتماماً أكبر بكثير في وقت تواجه فيه أفريقيا فجوة تمويلية هائلة في البنية التحتية، بينما تظل مدخراتها الخاصة، ورؤوس أموال صناديق التقاعد، وثروات المغتربين، والأسواق المالية المحلية غير مستغلة بشكل كبير.
ولذلك، فإن الأهمية تتجاوز حدود إثيوبيا؛ حيث ترى “تايم” في سد النهضة مبدأً مهماً: يمكن للأفريقيين المشاركة المباشرة في تمويل البنية التحتية التي ستشكل مستقبل أفريقيا، بدلاً من انتظار الأطراف الخارجية لتحديد المشاريع التي تستحق البناء. وهذا ما يظهّر سد النهضة ليس فقط كسد تم تمويله لإثيوبيا، بل كدراسة حالة قوية للملكية الأفريقية للتنمية.
من نزاع على النيل إلى شبكة طاقة قارية
تُشكل الكهرباء المولدة من سد النهضة البعد الرئيسي الثاني لأهمية المشروع القارية.وتشير “تايم” إلى أن توفير كهرباء موثوقة يمكن أن يدعم الأسر والأعمال والمصانع والتوسع الصناعي في إثيوبيا، بينما يمكن للكهرباء المولدة في السد أن تنتقل أيضاً خارج حدود إثيوبيا عبر شبكات النقل الإقليمية.
وتتبادل إثيوبيا بالفعل الكهرباء مع دول الجوار، ومن شأن وجود أسواق طاقة إقليمية أعمق أن يوسع الأثر الاقتصادي للسد عبر الحدود الوطنية. وهنا، كما تجادل “تايم”، يصبح سد النهضة “أكثر إثارة للاهتمام كمشروع أفريقي بدلاً من كونه مجرد مشروع إثيوبي”.
ويشير المقال التحليلي إلى مستقبل تدعم فيه الطاقة الكهرومائية لإثيوبيا نظاماً كهربائياً أوسع وأكثر ترابطاً، مما يسمح للدول التي تمتلك موارد وفيرة من الطاقة المائية أو الشمسية أو الرياح أو الغاز أو الطاقة الجوفية بتبادل الطاقة عبر الحدود. ويمكن لـ السودان، كينيا، جيبوتي، مصر، وغيرها من الدول الأعضاء في مجمع الطاقة لشرق أفريقيا الاستفادة من هذا الربط مع توسع البنية التحتية للنقل.
والمغزى هنا عميق: لا يتعين على أفريقيا التعامل مع أمن الطاقة كمجموعة من المشاريع الوطنية المعزولة؛ إذ يمكنها بناء نظام طاقة قاري متكامل تساعد فيه الموارد المولدة في دولة ما على دفع عجلة الإنتاج والصناعة والنمو الاقتصادي في دولة أخرى. ويمكن لسد النهضة أن يكون أحد الركائز الأساسية لهذا النظام الناشئ في شرق أفريقيا.
تحدي الرواية القديمة حول النيل
في مقابل هذا التطلع الأوسع، تنتقد مجلة “تايم” الطريقة التي تم بها تأطير سد النهضة على المستوى الدولي. فلعقود، قُدّم السد بشكل رئيسي من خلال عدسة النزاع بين إثيوبيا ومصر، بينما حظيت الإمكانيات الهائلة التي أوجدتها هذه البنية التحتية — مثل تجارة الكهرباء الإقليمية، التصنيع، النمو منخفض الكربون، والتكامل الاقتصادي الأعمق — باهتمام أقل نسبياً. وتجادل “تايم” بأن الخلاف حول إدارة نهر مشترك قد تم سحبه في كثير من الأحيان إلى لغة المواجهة الجيوسياسية. وبقيامها بذلك، تم تدويل النيل بشكل متزايد كمصدر للتوتر، في حين كان يمكن أن يكون منصة للتعاون الأفريقي. وهذا التمييز مهم؛ إذ بمجرد تأطير البنية التحتية بشكل أساسي كتهديد — بحسب “تايم” — يحل المنطق الأمني محل الاقتصاد والدبلوماسية والهندسة.
وتتحول أسئلة أسواق الكهرباء، وشبكات النقل، وإدارة الخزانات، والتنمية الإقليمية إلى صراع صفري بين رابح وخاسر. ويشير التقرير تحديداً إلى توصيف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي للنيل بأنه قضية وجودية لمصر، وتأكيده على أن مصر تحتفظ بحق الدفاع عن نفسها بموجب القانون الدولي إذا أدى أي ضرر إلى انقطاع إمدادات المياه.
لكن “تايم” تضع خطاً فاصلاً مهماً بين الاعتراف بمتطلبات الأمن المائي لمصر وبين التعامل مع المواجهة كأمر حتمي. وهذا التمييز يمس جوهر حجتها: ليس من الضروري أن يُملى مستقبل النيل بصلف منطق المواجهة.
من تقاسم المياه إلى تقاسم المنافع
تصبح أطروحة “تايم” مقنعة بشكل خاص عندما تنتقل إلى الأبحاث المنشورة في مجلة Nature Water والتي درست العلاقة بين إدارة المياه وتجارة الكهرباء بين إثيوبيا والسودان ومصر. فبدلاً من التعامل مع سد النهضة كمسألة تتعلق فقط بحدود كمية المياه التي تحتفظ بها دولة وتتلقاها أخرى، فحص البحث كيف يمكن لتوسع تجارة الكهرباء أن يحقق منافع لجميع الدول الثلاث.
وتشير النتائج التي استشهدت بها “تايم” إلى أن زيادة تجارة الطاقة الإقليمية يمكن أن تقلل من عجز مياه الري في مصر والسودان، وتزيد من توليد الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا، وتزيد من توليد الطاقة الكهرومائية لمجرى النهر الأدنى، وتقلل من نقص الكهرباء في السودان، وتخفض الانبعاثات الكربونية الإقليمية، وتزيد من العوائد المالية لإثيوبيا من صادرات الكهرباء.
وفقاً لأعلى سيناريو لتجارة الطاقة فُحص من قبل الباحثين، يمكن تقليل أقصى عجز سنوي للري في مصر بما يصل إلى 4 مليارات متر مكعب مقارنة باقتراح خط الأساس المستخدم في الدراسة. والمنطق الاقتصادي هنا واضح ومباشر: تعتمد الطاقة الكهرومائية على حركة المياه عبر التوربينات. وإذا طوّرت إثيوبيا اتفاقيات طويلة الأجل لتصدير الكهرباء إلى دول المصب، فسيصبح هناك حافز اقتصادي مباشر للحفاظ على تدفقات المياه عبر سد النهضة من أجل التوليد. وبالتالي، يمكن لهذه العلاقة أن تحول تجارة الكهرباء إلى آلية اقتصادية تعزز تدفقات المياه نحو دول المصب.
وبدلاً من التفاوض حصرياً على حصص المياه، يمكن للدول التفاوض على المنافع الناجمة عن إدارة النهر معاً. حيث يمكن لمصر والسودان الحصول على طاقة متجددة واستقرار أكبر في إدارة النهر، بينما يمكن لإثيوبيا توليد إيرادات صادرات وخلق طلب على قدراتها التوليدية الكبيرة، لتصبح الشبكات الإقليمية أكثر ترابطاً ويتعمق الاعتماد الاقتصادي المتبادل.
وفي صياغة “تايم”، يمكن للنهر أن يصبح شيئاً تخلق القيمة منه سوياً.
صرح للتطلع والطموح الأفريقي
فعبر القارة، يستمر نقص الطاقة وغياب موثوقيتها في الحد من النمو الاقتصادي. إن التصنيع، معالجة المعادن، الصناعة التحويلية المنافسة، التوسع الرقمي، والبنية التحتية الحديثة تتطلب جميعها قدرات توليد ونقل أكبر بكثير. وهذا ما يجعل مشاريع مثل سد النهضة ذات أهمية استراتيجية تتجاوز حدودها الوطنية بكثير.
وتجادل “تايم” بأنه لا ينبغي فهم السد على أنه مجرد أصل إثيوبي؛ إذ إن إمكانياته الكبرى قد تكمن في نهاية المطاف في الشبكة التي تتطور حوله. فسوق الكهرباء الأفريقية المتصلة يمكن أن تسمح للطاقة بالانتقال إلى الأماكن التي تكون فيها أكثر إلحاحاً، مع تمكين الدول ذات الموارد المختلفة من تكامل بعضها البعض بدلاً من العزلة. وبالنسبة لأفريقيا، فإن هذه الرؤية لا تنفصل عن طموحات التكامل الأوسع للقارة.
إذ لا يمكن لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية أن تحقق إمكاناتها الكاملة دون البنية التحتية المادية المطلوبة لنقل البضائع، نقل الطاقة، وتوسيع الخدمات الرقمية عبر الحدود. وكما تصوغها “تايم”: فإن التكامل التجاري دون تكامل البنية التحتية هو في نهاية المطاف مجرد وهم. ويقدم سد النهضة فرصة ملموسة للتفكير لما هو أبعد من هذا التجزؤ.
لا يمكن رهن التنمية للمواجهات
تناول أحد أقوى أجزاء تقرير “تايم” تسلل الخطاب العسكري إلى النقاشات حول البنية التحتية الأفريقية. فالقارة تواجه بالفعل عجزاً ضخماً في محطات الطاقة، خطوط النقل، السكك الحديدية، الموانئ، الطرق، شبكات الألياف الضوئية، أنظمة المياه، الممرات الصناعية، والبنية التحتية اللوجستية. والعديد من المشاريع القادرة على تحويل الاقتصادات الأفريقية. وتحذر “تايم” من أنه إذا تحول كل مشروع رئيسي عابر للحدود إلى منافسة جيوسياسية صفرية، فإن تنمية أفريقيا ستظل رهينة لحدودها بدلاً من تسريعها عبر الربط الإقليمي. والبديل ليس المواجهة حول البنية التحتية، بل إنشاء المزيد من البنية التحتية وبناء شبكات ربط أقوى.
وبالنسبة لسد النهضة، يعني هذا نقل الحوار من لغة التهديدات نحو الهندسة، الاقتصاد، أسواق الكهرباء، والتنمية الإقليمية ذات النفع المتبادل. فالسد قائم بالفعل، وقدرته التوليدية موجودة، وسوق الكهرباء الإقليمية قابلة للتوسع. وما يتبقى هو الخيار السياسي حول ما إذا كانت هذه البنية التحتية ستصبح خط تفكك آخر، أم جزءاً من نظام أفريقي أوسع للفرص الاقتصادية المشتركة.
مستقبل أفريقي لنهر أفريقي
في النهاية، تضع “تايم” المسألة ضمن القضية الأكبر المتعلقة بالسيادة والإرادة الأفريقية. حيث تجادل بأن مستقبل النيل يجب أن يتقرر في النهاية بأيدي الأفريقيين أنفسهم. يمكن للشركاء الدوليين تقديم الخبرة والتمويل، وللعلماء المساهمة بالأبحاث، وللمؤسسات متعددة الأطراف تسهيل المفاوضات. لكن النزاعات الأفريقية لا ينبغي أن تتحول إلى مسارح لمنافسات جيوسياسية أوسع بطرق تصلب المواقف وتعمق الانقسامات. وبالنسبة لحوض النيل، تتصور “تايم” إمكانية مختلفة: الاعتراف بتطلعات التنمية في إثيوبيا، حماية الأمن المائي لمصر، احترام مصالح السودان، وبناء إطار اقتصادي إقليمي حول الإنجازات التي تفيد الجميع.
ويوفر سد النهضة فرصة لوضع هذا المبدأ موضع التنفيذ.وقد تمتد أبعاد هذا المشروع في نهاية المطاف إلى ما هو أبعد بكثير من السد نفسه. إذ تتصور “تايم” مستقبلاً يزود فيه سد النهضة الصناعة الإثيوبية بالطاقة بينما يصدر الكهرباء عبر المنطقة؛ وتنسق فيه إثيوبيا ومصر والسودان إدارة المياه والطاقة بدلاً من السماح للتهديدات بتحديد معالم علاقاتها؛ وتتحرك فيه الطاقة المتجددة عبر الحدود بواسطة شبكات مترابطة؛ ويسهم فيه النيل في التصنيع الأفريقي، مراكز البيانات، معالجة المعادن، شبكات النقل، والمدن المتنامية.
كما أن قصة كيفية بناء سد النهضة لا تقل أهمية؛ فقد اشترى الإثيوبيون السندات، وساهم الشتات، ووفرت المؤسسات المحلية رأس المال. بالنسبة لـ “تايم”، تشير هذه التجربة إلى إمكانية أفريقية أوسع: إذ يمكن لسندات البنية التحتية، أدوات استثمار المغتربين، رؤوس أموال صناديق التقاعد، الاستثمار السيادي، وتطوير التمويل الإقليمي أن تمكن الأفارقة أنفسهم من امتلاك حصة مالية مباشرة في البنية التحتية التي تشكل مستقبل القارة. وهذه ربما تكون الرسالة الأكثر أهمية في التقرير. فسد النهضة لم يعد مجرد قصة عن سد على نهر أباي، أو حتى عن حق إثيوبيا في تطوير إمكاناتها الضخمة في مجال الطاقة. إنه قصة عما يمكن لأفريقيا بناؤه، وكيف يمكن للأفارقة تمويله، وكيف يمكن لدول الجوار الاستفادة منه، وما إذا كان المورد المشترك يمكن أن يصبح مصدراً لقوة مشتركة بدلاً من مواجهة.فالسد موجود بالفعل.
والسؤال الأكبر، كما تطرحه “تايم”، هو ما الذي يختاره الأفارقة لصنعه من هذا السد: يمكن للسد أن يكون جداراً، أو يمكن أن يكون جسراً. ولقارة تبحث عن الطاقة، التصنيع، البنية التحتية، والتكامل الأعمق، يقف سد النهضة عند نقطة التقاء هذين المستقبلين المحتملين.
وفي رواية “تايم”، فإن مياه النيل — التي عُوملت طويلاً كمصدر للتوتر الجيوسياسي — يمكنها بدلاً من ذلك أن تساعد في إدارة وتوليد الطاقة للفصل القادم من تاريخ أفريقيا.