ثمة صباح فريد ينتمي لإثيوبيا وحدها؛ صباح تشرق فيه السماء بسطوع لافت، وتغسل فيه الأمطار الهضاب لتكتسي بالخضرة، وتنتشر الزهور الصفراء على جوانب الطرقات وفي الحقول، بينما يرتفع في الأفق صوت ألحان تعلن عن وعد ببداية جديدة. إنه عيد “إنقوطاطاش”.
إن رأس السنة الإثيوبية لا يأتي في صمت؛ بل يصل محملاً بالزهور، واللقاءات العائلية، والوجبات المحضرة حديثاً، والأزياء الجديدة، والقصص القديمة، وشعور غير خاطئ بأن بلداً بأكمله يطوي الصفحة معاً في لحظة واحدة.
وفي الأول من شهر “مسكرم”، تدخل إثيوبيا عام 2019 وفقاً لتقويمها الخاص — وهو أحد أبرز مظاهر الاستمرارية التاريخية والثقافية الفريدة للبلاد. فبعد اثني عشر شهراً يتكون كل منها من ثلاثين يوماً، يأتي شهر “باغومي”، وهو الشهر الأخير المكون من خمسة أيام (أو ستة أيام في السنة الكبيسة). ولكن “إنقوطاطاش” هو أكثر بكثير من مجرد تغيير رقم في التقويم؛ إنه احتفاء يعيش فيه التاريخ جنباً إلى جنب مع الحاضر، وتلتقي فيه الذاكرة القديمة بالطاقة الشبابية،والجدة تتشارك الصباح نفسه مع أغنية الطفل بمناسبة العام الجديد، وحيث يتطلع بلد يحمل واحدة من أعمق الذكريات التاريخية في أفريقيا نحو الغد دون أن يترك أمسه خلفه.
عام جديد يكتب بالزهور
ربما لا تتجلى طبيعة “إنقوطاطاش” بجمال أبهى مما تتجلى به في الطبيعة والمشهد الطبيعي؛ فبعد أشهر من الهطول المطري، تتغير ملامح الريف، وتكتسي الأرض بالخضرة، ويبدو الهواء وكأنه اغتسل من جديد، وتظهر البراعم الصفراء لزهور “أدي أبابا” كأنها نقاط صغيرة من ضوء الشمس المنثور عبر الهضاب. أصبحت هذه الزهور جزءاً لا يتجزأ من المشهد الوجداني للعام الجديد؛ يجمعها الأطفال، وتتبادلها العائلات، وتتزين بها المنازل، ليعلن حضورها انقضاء فصل وبداية آخر.
والصورة على بساطتها تحمل معنى عميقاً: التجدد ليس مجرد كلام يُعلن بالكلمات، بل هو واقع يُرى بالعين وهو ينبت من قلب التربة. وهذا أحد الأسباب التي جعلت “إنقوطاطاش” يحتفظ بقوته العاطفية الاستثنائية؛ فهو لا يرتبط بالتقويم فحسب، بل يرتكز على إيقاع الأرض — على المطر الذي يفسح المجال للإشراق، وعلى الحقول التي تبدأ دورة أخرى، وعلى الناس وهم يستعدون لعام آخر من الحياة.
تقويم يحمل حضارة كل دولة تحسب الوقت، لكن التقاويم قد تحمل ما هو أكثر بكثير من مجرد التواريخ. لقد كان التقويم الإثيوبي منذ فترة طويلة جزءاً من الهوية الثقافية المتميزة للبلاد؛ فبنيته المكونة من ثلاثة عشر شهراً مألوفة للإثيوبيين منذ طفولتهم، وهي تشكل أعياد ميلادهم، وعطلاتهم، وفصولهم، وزوايا ذكرياتهم، وإيقاع حياتهم اليومية.
بالنسبة لبقية العالم، قد يكون شهر سبتمبر هو الشهر التاسع من العام، أما في إثيوبيا، فهو البوابة لعام آخر كلياً. وهذا الاختلاف هو أكثر من مجرد حسابات أرقام؛ إنه تذكير بأن التاريخ لا يملك ساعة واحدة فقط. ينتمي التقويم الإثيوبي إلى إرث أوسع من الفكر والتقاليد الدينية وحساب الوقت الذي صمد عبر الأجيال. وقد سمح استمرار استخدامه لطريقة قديمة في قياس الزمن بالبقاء كجزء من مجتمع حديث — جنباً إلى جنب مع الهواتف الذكية، والأقمار الصناعية، المدفوعات الرقمية، الذكاء الاصطناعي، الجامعات، والمختبرات.
إن القديم والحديث لا يتنافسان بالضرورة، بل يمضيان معاً إلى الأمام في بعض الأحيان.
عندما يتحول العام الجديد إلى ملتقى اجتماعي “إنقوطاطاش” هو أيضاً مهرجان يجمع الناس؛ حيث يعود الأفراد إلى عائلاتهم، ويتزاور الأصدقاء، وتتحول الموائد إلى مساحات للتجمع، ويُعد الطعام لا ليُؤكل فحسب بل ليُشارك.
ينتقل الأطفال من منزل إلى آخر يغنون أغنيات العام الجديد، وتضفي أصواتهم إيقاعاً شبابياً على الاحتفال. وتكتسب هذه الأغاني قيمة خاصة لأنها تحول العطلة إلى تبادل بين الأجيال: طفل يغني، وكبير يستمع، ثم تمضي السلسلة والتقليد إلى الأمام من جديد. وفي هذه الدورة البسيطة تكمن إحدى مكامن القوة العظمى لهذا العيد: فالثقافة لا تُحفظ في المتاحف، بل تنتقل من شخص إلى آخر عبر الإشارات، والكلمات، والطعام، والموسيقى، والملابس، والصلوات، والاحتفالات.
ولذلك، فإن “إنقوطاطاش” ينتمي للعائلة، لكنه ينتمي أيضاً للحي والمجتمع والنسيج الاجتماعي الأوسع؛ فهو حدث شخصي وجماعي في الوقت ذاته.
القصص الكامنة خلف الاحتفال
مثل العديد من الاحتفالات القديمة، جمع “إنقوطاطاش” حوله القصص والروايات عبر الأجيال. وإحدى أكثر التقاليد الإثيوبية استدامة ترتبط باسم “إنقوطاطاش” بقصة ملكة سبأ وعودتها من رحلتها إلى القدس، حيث يُقال إن هدايا من الجواهر قُدمت لها. وسواء أُخذت هذه القصة بكونها ذاكرة تاريخية، أو تقليداً ثقافياً، أو أسطورة، فقد أصبحت جزءاً من السرد الغني المحيط برأس السنة الإثيوبية.
لطالما كان الشعور بالهوية التاريخية لدى إثيوبيا عميقا بشكل استثنائي؛ فالبلاد تحمل ذكريات ممالك قديمة، وعلماء، وتقاليد دينية، وكتابات متميزة، وعمارة، وفنوناً، وموسيقى. كما حملت أيضاً ذكريات المشاق — من صراعات، ومجاعات، وأوبئة، وتقلبات سياسية، وفترات بدا فيها المستقبل غير مؤكد.
ومع ذلك، كانت قصة إثيوبيا مراراً وتكراراً قصة استمرارية؛ فقد حافظت البلاد على تقويمها، وعلى أبجديتها وكتابتها، وعلى تقاليدها الدينية والثقافية، وحفظت قصصها عبر الأجيال. وربما الأهم من ذلك كله، أنها حافظت على شعور قوي بالذات التاريخية. وهذا ما يعطي احتفالاً مثل “إنقوطاطاش” طبقة أخرى من المعنى؛ فعندما يودع الإثيوبيون عاماً ويستقبلون آخر، فهم لا يبدأون من الفراغ، بل يحملون إرثاً إلى الأمام.
اللغة الهادئة للسيادة
هناك أيضاً شيء يعبر عن السيادة بهدوء في الطريقة التي تحتفل بها إثيوبيا برأس سنتها؛ ليست السيادة بلغة الحدود والمؤسسات فحسب، بل السيادة التي تتجلى في الأشياء اليومية التي يواصل الشعب تسميتها باسمه: تقويمهم، أسماء شهورهم، موسيقاهم، طعامهم، قصصهم، طقوسهم، والطرق التي يحددون بها مرور الزمن. في عالم يتزايد ترابطه، يمكن للهوية الثقافية أن تتضائل وتتلاشى بسهولة تحت إيقاع عالمي مشترك. ومع ذلك، في “إنقوطاطاش”، تتبع إثيوبيا ساعتها الخاصة، وتتحدث بمفرداتها الثقافية الذاتية، وتتذكر من خلال تقاليدها، وتستقبل المستقبل دون أن تتخلى عن تميز الماضي. وهذا ليس عزلة عن العالم، بل هو ثقة بالنفس.
من الهضاب والنعائم إلى العالم
لم يعد “إنقوطاطاش” ملكاً لمدن إثيوبيا وقراها فحسب؛ فالإثيوبيون في الخارج يحملونه معهم. وفي مدن بعيدة عن أديس أبابا، تجتمع العائلات حول الوجبات الإثيوبية، ويتعلم الأطفال الأغاني، وتُتداول الزهور، وتعبر الرسائل القارات. وتنتقل تهنئة العام الجديد نفسها عبر الهواتف والشاشات، لتربط بين أناس تفصل بينهم آلاف الكيلومترات.
تمنح الجاليات في الخارج اليوم بعداً آخر: فالافتقار للمكان والبعد لا يضعف الانتماء بالضرورة، بل يجعله في بعض الأحيان أكثر وضوحاً. إن احتفالاً يُقام في لندن أو واشنطن أو دبي أو نيروبي أو في أي مكان آخر يمكن أن يبدأ بالتقويم الإثيوبي نفسه، والذكريات ذاتها، ، ليصبح العام الجديد خيطاً يمتد عبر الحدود.
وبعد ذلك.. هناك الغد
ربما أجمل ما في العام الجديد هو أنه لم يُكتب بعد. وفي كل سبتمبر، تصل إثيوبيا إلى تلك الصفحة البيضاء. قد تعلن الزهور عن التجدد، لكن التجدد الأكثر عمقاً يجب أن يأتي من الناس — مما تعلمه العائلات لأطفالها، ومما تبنيه المجتمعات معاً، ومما يختار المواطنون الحفاظ عليه، وما يختارون تغييره، وما يختارون تخيله. لهذا السبب، يمكن للعام الإثيوبي الجديد أن يكون تقليدياً للغاية وضارباً في التاريخ، وفي الوقت ذاته متطلعاً بوضوح نحو المستقبل.
الأغاني قد تكون قديمة، لكن الآمال جديدة. والتقويم ربما سافر عبر القرون، لكن القراء الذين يطوون صفحاته هم أحياء في الحاضر. والبلد الذي يتطلع نحو عام 2019 ليس نفس إثيوبيا التي رحبت بالعام السابق؛ لقد نمت، وصارعت، واحتفلت، وتذكرت، وتغيرت. وهي الآن تقف مرة أخرى على العتبة: الصباح مشرق، والزهور الصفراء تتفتح، والأطفال يغنون، والعائلات تتجمع، والعام القديم يتحول إلى ذاكرة، بينما يفتح العام الجديد ذراعيه.
هذا هو “إنقوطاطاش”ليس مجرد وصول عام آخر، بل هو دعوة إثيوبيا السنوية لتتذكر من كانت، وتنسجم مع من هي الآن، وتتخيل من يمكن أن تكون. لقد طوت البلاد الصفحة.. وإثيوبيا تعود جديدة من جديد.