Fana: At a Speed of Life!

من البحر الأحمر إلى نيو دلهي.. إثيوبيا تنقل سعيها للوصول إلى البحر إلى قلب الدبلوماسية الدولية عبر بريكس

من شواطئ البحر الأحمر إلى طاولات المفاوضات في نيودلهي، تحول السعي الإثيوبي للحصول على منفذ بحري إلى محدد رئيسي وركيزة أساسية تُشكّل ملامح الدبلوماسية الدولية للبلاد.

وفي القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس، نقل رئيس الوزراء د. أبي أحمد هذه القضية إلى قلب محفل دولي كبير يجمع أبرز القوى الاقتصادية الناشئة، واضعاً المطلب البحري لإثيوبيا ضمن طرح شامل يتعلق بالتجارة والأسواق والترابط وبناء نظام اقتصادي عالمي أكثر شمولاً وعدالة.

وكانت رسالة رئيس الوزراء واضحة ومباشرة مفادها أن الوصول إلى البحر بالنسبة لاقتصاد كبير ونامٍ ليس طموحاً هامشياً أو مكملاً، بل هو ضرورة اقتصادية ملحة لا غنى عنها، مشدداً على أن إثيوبيا بحاجة ماسة إلى وصول آمن وموثوق ومتبوع بتنوع في طرق التجارة الدولية، وستواصل السعي الحثيث لتحقيق هذا الهدف من خلال أطر ترتيبية سلمية ومفاوضات قائمة على المنفعة المتبادلة.

وتكمن أهمية قمة نيودلهي في هذا الجانب، حيث لم تكتفِ إثيوبيا بطرح قضيتها البحرية أمام العالم، بل رفعت مستوى النقاش حولها إلى آفاق دولية استراتيجية.

وجاء هذا بعد سنوات كثفت فيها أديس أبابا نقل مسألة الوصول إلى البحر في الدبلوماسية الثنائية والانخراط الإقليمي والمحافل الدولية؛ فما كان يُناقش سابقاً في حدود القرن الأفريقي أضحى تدريجياً جزءاً أصيلاً من الحوار الخارجي الأوسع لإثيوبيا، بوصفه قضية تمس السيادة الاقتصادية والترابط القاري والأمن الإقليمي ومكانة البلاد في حركة التجارة العالمية.

وتستند علاقة إثيوبيا بالبحر الأحمر إلى امتداد تاريخي عريق يتجاوز بكثير الجغرافيا السياسية الحديثة التي تفصل البلاد حالياً عن الساحل؛ فقد طورت حضارة أكسوم واحدة من أهم العلاقات التجارية في العالم القديم مع البحر الأحمر عبر ميناء أدوليس، وربطت مرتفعات إثيوبيا بأسواق البحر الأحمر والمحيط الهندي.

كما تضمن تاريخ إثيوبيا الحديث وصولاً بحرياً مباشراً عبر إريتريا، حيث امتلكت البلاد منفذاً مباشراً على البحر الأحمر عقب الاتحاد الفيدرالي عام 1952، غير أن البلاد فقدت المنفذ مع استقلال إريتريا عام 1993.

وأدى ذلك الفقدان إلى تحول جذري في الجغرافيا الاستراتيجية لإثيوبيا، إذ كان ميناءا عصب ومصوع يخدمان التجارة الإثيوبية، وترك فقدانهما بعد الاستقلال ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث السكان دون ساحل، مما جعل تجارتها الدولية معتمدة بشكل متزايد على ممرات بحرية خارجية.

وبناءً على ذلك، استمرت الدراسات التاريخية والاستراتيجية الإثيوبية في التعامل مع الوصول البحري ليس كطموح مستحدث، بل كقضية متجذرة في تاريخ البلاد واحتياجاتها الاقتصادية المعاصرة.

وهذا التاريخ أساسي لفهم اللغة الدبلوماسية التي تستخدمها أديس أبابا اليوم، فهي لا تقدم الوصول إلى البحر كمسألة جغرافية فحسب، بل يجمع طرحها بين الرابط التاريخي والضرورة الاقتصادية الحالية والتقييم الاستراتيجي لما يتطلبه اقتصاد أفريقي رئيسي للمشاركة الكاملة في التجارة الدولية.

وقد أكد رئيس الوزراء د. أبي أحمد مراراً وتكراراً أن إثيوبيا تسعى لتحقيق هذا الهدف بسلمية وعبر المفاوضات بدلاً من المواجهة، وهو ما قاله رئيس الوزراء في أروقة قمة بريكس.

وكان اختيار مجموعة بريكس كمنصة دبلوماسية أمراً ذا أهمية بالغة، حيث يجمع التكتل اقتصاديات رئيسية عبر أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، مما يخلق فرصة نادرة تتلاقى فيها قضايا التجارة والتنمية والمال والترابط وإصلاح المؤسسات الدولية.

وفي نيودلهي، ربط أبي أحمد قضية إثيوبيا البحرية بهذا الهيكل الاقتصادي الأوسع، مصرحاً أمام القمة بأن الوصول إلى التمويل يجب أن يترافق بوضوح مع الوصول إلى الأسواق، ثم ربط بين الترابط المالي والترابط المادي، موضحاً أن التجارة تتطلب حركة كفؤة وسلسة لكل من المدفوعات والبضائع، ومؤكداً أن الوصول إلى البحر هو في المقام الأول ضرورة اقتصادية ملحة بالنسبة لإثيوبيا. وتمنح هذه الصياغة الأجندة البحرية بعداً أكبر، فالميناء ليس وجهة الاقتصاد النهائية بل هو البوابة الرئيسية للدخول إليه. وبالنسبة لإثيوبيا، فإن الوصول الموثوق إلى طرق التجارة الدولية سيؤثر مباشرة على حركة الصادرات والواردات والمدخلات الصناعية والمنتجات الزراعية والآلات والاستثمارات، كما سيؤثر على تكلفة ومرونة سلاسل الإمداد وقدرة البلاد على ربط قاعدتها الإنتاجية المتنامية بالأسواق الخارجية.

وبناءً عليه، طرح رئيس الوزراء ملف الوصول إلى البحر كجزء رئيسي من المقومات الاقتصادية التي قدمتها إثيوبيا لمجموعة بريكس إلى جانب رؤوس الأموال، والتكنولوجيا، والأسواق، والشراكات الصناعية، وتطوير المعادن والطاقة المتجددة، وتعزيز القيمة المضافة، لتأتي الرسالة متجاوزة الاختزال في طلب منفذ بحري، ومستندة إلى رؤية متكاملة تعكس الإمكانيات الاقتصادية الفعلية للبلاد.

وبالنسبة لإثيوبيا، لا يمكن فصل مسألة الوصول إلى البحر عن تحول اقتصادها الشامل؛ فالطفرة الاقتصادية التي تسعى لتوسيع التصنيع والزراعة والتعدين والطاقة واللوجستيات والصادرات تحتم وجود قنوات مضمونة نحو الأسواق الدولية، حيث إن الجغرافيا قد تفرض تكاليف باهظة لكنها لا يجب أن تحدد المصير الاقتصادي للدول.

ولهذا السبب تحدثت إثيوبيا بشكل متزايد عن وصول موثوق ومتنوع بدلاً من الاعتماد على ممر واحد، لأن التنوع يقلل المخاطر في ظل تعرض التجارة الدولية للاضطرابات، واقتصاد كبير توجد تجارته الخارجية تحت رحمة ممر بحري واحد يواجه مخاطر مستمرة تتنوع بين عدم الاستقرار وضغوط الأسعار والصدمات الجيوسياسية.

إن الوصول إلى البحر، وفق الطرح الإثيوبي، هو جزء أصيل من بناء المرونة الاقتصادية.

وفي قمة بريكس، امتد هذا المنطق ليشمل المطالبة بترابط مالي أقوى ومدفوعات عابرة للحدود أكثر كفاءة إلى جانب الترابط المادي، مما يعكس فهم أديس أبابا بأن التجارة الحديثة تعتمد على حركة البضائع وحركة القيمة المالية معاً، حيث يخدم الطريق البحري وطريق المدفوعات الغرض نفسه المتمثل في جعل التبادل الاقتصادي أسرع وأوسع وأكثر مرونة.

كما يتضمن وصول إثيوبيا إلى البحر بعداً قارياً بارزاً، إذ تقع إثيوبيا في قلب القرن الأفريقي بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم والمتمثل في البحر الأحمر وخليج عدن اللذين يربطان المحيط الهندي بقناة السويس ويحملان حصة كبرى من التجارة العالمية.

لذلك، لا يقتصر الترابط البحري بالنسبة لإثيوبيا على تجارتها الخاصة فحسب، بل يتقاطع مباشرة مع مستقبل التكامل الأفريقي الشامل، إذ تهدف منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية إلى تعميق التجارة بين الاقتصاديات الأفريقية، لكن الإنتاج القاري يتطلب في النهاية روابط كفؤة بالأسواق العالمية، وتبقى الممرات البحرية حلقات لا غنى عنها للدول غير الساحلية.

وبناءً عليه، أضحى الطرح الإثيوبي مرتبطاً برؤية تنموية أفريقية أوسع، تؤكد أنه إذا كان للاقتصاديات الأفريقية أن تتجه نحو التصنيع وتضيف قيمة لمواردها وتنافس بفاعلية في الأسواق العالمية، فلا يمكن أن يظل الترابط المادي أمراً ثانوياً.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل القضية البحرية تتجاوز الحدود الإقليمية لإثيوبيا لتصبح مسألة كيفية تقاطع الجغرافيا والبنية التحتية والتجارة العالمية مع التحول الاقتصادي لأفريقيا برمتها.

وأظهرت قمة نيودلهي بعداً آخر لنهج إثيوبيا المتمثل في استخدام المنصات متعددة الأطراف لتوسيع المساحة الدبلوماسية حول القضايا ذات الأهمية الوطنية؛ فقد انضمت إثيوبيا إلى مجموعة بريكس في عام 2024 وشاركت منذ ذلك الحين بفاعلية في الاجتماعات الوزارية واجتماعات كبار المسؤولين.

وقبل قمة نيودلهي، وصف السفير الإثيوبي لدى الهند نبيو تادلا المجموعة بأنها منصة أساسية تستطيع الدول النامية من خلالها الدفاع عن تمثيل أكبر في اتخاذ القرار العالمي وإصلاح المؤسسات المالية الدولية.

وتنسجم قضية المنفذ البحري بصلابة مع هذه الاستراتيجية الدبلوماسية الأوسع، فإثيوبيا لا تضع أجندتها للوصول إلى البحر في سلة دبلوماسية واحدة، بل ترفع الملف عبر العلاقات الثنائية والدبلوماسية الإقليمية والمؤسسات متعددة الأطراف، مع ربطه بملفات التجارة والتنمية والأمن والتعاون الدولي.

وأضفت قمة نيودلهي منصة رئيسية أخرى لهذه الجهود في توقيت بالغ الأهمية، حيث عقدت على خلفية نقاش حاد حول الحوكمة الاقتصادية العالمية والترابط وتغير توزيع النفوذ بين الاقتصاديات الناشئة، فيما أكد إعلان المجموعة نفسه على ضرورة وجود مشاركة أكبر للدول النامية والناشئة في صنع القرار الدولي.

وبذلك، دخلت قضية وصول إثيوبيا إلى منفذ بحري محفلاً تتطابق مفرداته السياسية مع القضايا التي طالما شددت عليها أديس أبابا والمتمثلة في التمثيل والوصول والترابط وصنع صوت أقوى للدول النامية.

ويتجلى تطور الدبلوماسية البحرية الإثيوبية بوضوح في طريقة صياغة القضية اليوم، فلم تعد محصورة في مسألة الحصول على ميناء فحسب، بل باتت تشمل الممرات التجارية والمرونة الاقتصادية والتكامل الإقليمي والأمن البحري والقانون الدولي والاستثمار والجغرافيا الاستراتيجية للقرن الأفريقي.

إن الهدف الأساسي هو الوصول الموثوق، والوسيلة التي تواصل إثيوبيا التأكيد عليها هي المفاوضات السلمية، فيما أصبحت الساحة الدبلوماسية دولية بشكل متزايد.

وهذا التمييز حاسم في منطقة تتشابك فيها الجغرافيا بعمق مع السيادة الوطنية والأمن.

وكان النهج المصرّح به لإثيوبيا هو السعي لترتيبات متبادلة المنفعة من خلال الحوار السلمي مع الاحترام الكامل لسيادة ومصالح الدول المجاورة، وهو النهج الذي جدد رئيس الوزراء د. أبي أحمد التأكيد عليه أمام قادة بريكس.

إن ثبات الهدف وسلمية الوسيلة ليسا متناقضين، بل هما الركيزتان الأساسيتان للاستراتيجية الدبلوماسية الإثيوبية.

ويجب فهم قمة نيودلهي كمحطة رئيسية في حملة مستمرة تتكشف فصولها تباعاً، فقد منحت القمة إثيوبيا فرصة استثنائية لعرض قضيتها أمام قادة يمثلون أكبر الاقتصاديات الناشئة في العالم، وأتاحت ربط المسألة مباشرة بالتجارة الدولية والوصول إلى الأسواق والترابط الاقتصادي، بدلاً من التعامل معها كقضية جيوسياسية إقليمية معزولة.

كما أظهرت القمة كيف تستخدم إثيوبيا منصاتها الدبلوماسية لربط الأولويات الوطنية بالقمم الدولية، ففي بريكس كانت إثيوبيا تدفع بملفات التمويل والأسواق والتجارة والتكنولوجيا والمناخ والتطوير الصناعي والإصلاح المؤسسي، وكان الوصول إلى البحر جزءاً لا يتجزأ من هذه الصورة الأوسع وليس مطلباً معزولاً عن التحول الاقتصادي للبلاد.

وقد تكون هذه الصياغة الشاملة واحدة من أهم التطورات في الدبلوماسية البحرية الإثيوبية، لأن السؤال لا يتلخص في مجرد قدرة إثيوبيا على الوصول إلى البحر من عدمه، بل في قدرتها على تأمين ربط بحري موثوق ومستدام ومتبادل النفع يتناسب مع حجم اقتصادها وعدد سكانها ومسؤولياتها الإقليمية وطموحاتها للاندماج العميق في التجارة العالمية.

إن العلاقة التاريخية بالبحر تمنح القضية ذاكرتها الحية، والتحول الاقتصادي يمنحها إلحاحها الراهن، والأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر تمنحها ثقلها الإقليمي، والدبلوماسية توفر لإثيوبيا المسار العقلاني الذي تسعى من خلاله للمضي قدماً.

ومن شواطئ بحر ارتبطت به إثيوبيا تاريخياً إلى أروقة القمم في نيودلهي، قطعت قضية وصول إثيوبيا إلى البحر شوطاً طويلاً، وأصبحت الآن حاضرة بوضوح على الخريطة الدبلوماسية الدولية، وتؤكد إثيوبيا عزمها على إبقائها هناك.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.