في اليوم العالمي للنظافة 2026.. رحلة إثيوبيا نحو التحول الأخضر والتنمية المستدامة
37
تزامنًا مع إحيائه هذا العام تحت شعار “من أطباق نظيفة إلى مدن نظيفة”، يمثل اليوم العالمي لتنظيف البيئة فرصة لتجاوز أنشطة النظافة المعتادة وتسليط الضوء على المسار الإثيوبي الواسع نحو بيئة أكثر نظافة ومساحات خضراء مستدامة، ضمن رؤية تنموية شاملة.
وترتكز رؤية الأمم المتحدة لهذا العام على الربط بين سلوكيات الاستهلاك، وإدارة النفايات، وطرق تصميم وإدارة المدن، داعية إلى الحد من الهدر، واستعادة الموارد، وبناء مجتمعات أكثر كفاءة واستدامة.
وفي إثيوبيا، تتجسد هذه الرؤية عبر سلسلة من المبادرات الوطنية التي دمجت استعادة البيئة والتطوير الحضري والمشاركة المجتمعية في صلب الأجندة التنموية للبلاد.
تأتي مبادرة البصمة الخضراء، التي أُطلقت عام 2019، كأبرز الأمثلة على هذا التحول بعد أن أصبحت حركة بيئية شاملة على مستوى البلاد.
ومع ختام المبادرة لهذا العام، تمكنت إثيوبيا من غرس نحو 8.2 مليار شتلة خلال العام، ليرتفع المجموع التراكمي للشتلات المغروسة منذ انطلاق المبادرة إلى 56.8 مليار شتلة، مستهدفة الوصول إلى 65 مليار شتلة كهدف استراتيجي طويل الأمد لتعزيز التعافي البيئي والتنمية الخضراء.
ولم تقتصر أهداف البصمة الخضراء على غرس الأشجار فحسب، بل تطورت إلى حملة وطنية تربط الاستعادة البيئية بالأهداف التنموية الأخرى؛ مثل حماية الأنظمة البيئية، وتعزيز الصمود المناخي، ورفع الإنتاجية الزراعية، وتحسين سبل العيش، إلى جانب إبراز القدرة الاستثنائية على التعبئة الشعبية حول قضايا البيئة.
وفي السياق ذاته، تتكامل هذه الجهود مع مبادرة إثيوبيا نظيفة التي أُطلقت عام 2024 بهدف تطوير النظافة العامة، وإحداث تغيير سلوكي مستدام يضمن للمواطنين بيئة صحية وكريمة.
ولتأكيد هذه التوجهات بإجراءات تنظيمية، فرضت السلطات حظرًا شاملًا على الأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام بدءًا من يناير 2026، وشجعت في المقابل استخدام البدائل المحلية المصنوعة من القماش والورق والخيزران، بما يربط بين حماية البيئة والاستخدام المستدام للموارد.
وعلى صعيد المشهد الحضري، امتد برنامج تطوير الممرات من العاصمة أديس أبابا إلى مختلف المدن الإثيوبية، حيث شمل تحديث الطرق والبنية التحتية، وإنشاء مسارات للمشاة والدراجات الهوائية، وتوسيع المساحات الخضراء والخدمات الذكية للارتقاء بجودة الحياة.
وفي العاصمة أديس أبابا، تحولت ضفاف الأنهار إلى مراكز حضرية ومتنزهات طبيعية تتكامل مع نسيج المدينة؛ إذ يمتد مشروع تطوير ضفاف نهر إنطوطو-كيشيني وحده على طول 22.25 كيلومترًا، مدمجًا المساحات الخضراء وجهود حماية التربة وتنقية المياه.
كما يجري تنفيذ مشروع جديد لتطوير روافد نهر كبنا بدعم إيطالي بقيمة 5 ملايين يورو لتحسين شبكات الصرف الصحي والوقاية من الفيضانات.
ولم تعد هذه النماذج محصورة في العاصمة، حيث أشار تقرير أممي حديث إلى أن أكثر من 50 مدينة ثانوية في إثيوبيا بدأت بتبني نهج تطوير الممرات لتعزيز الترابط بين الريف والحضر وتحقيق تنمية متوازنة، مع إدماج أنظمة إدارة النفايات الحديثة وشبكات التنقل المستدام في الحياة اليومية للسكان.
وحظي هذا التحول بإشادات دولية واسعة؛ إذ صنفت صحيفة نيويورك تايمز في سبتمبر الماضي استنادًا إلى تقييم شركة “AlphaGeo” للتحليلات الجغرافية مدينة أديس أبابا في المرتبة الثانية عالميًا من بين 72 مدينة كبرى في معيار الصمود والمقاومة المناخية بعد مدينة شيكاغو، ومتفوقة على مدن مثل باريس وملبورن وبرشلونة، لتترأس بذلك قائمة المدن الأفريقية الأكثر قدرة على مواجهة التغير المناخي.
إن هذه التجربة الشاملة تعكس مسارًا تتجاوز فيه إثيوبيا مفهوم حملات النظافة التقليدية، لتضع حماية البيئة والاستدامة الحضرية في قلب جهودها لبناء دولة عصرية وأكثر استجابة لمتطلبات الحاضر والأجيال القادمة.